Thursday, March 30, 2017

صحبة الطريق

تخرج بنا السيارة من الاسكندرية، فأتذكر أول مرة خرجت فيها من الإسكندرية. عند ذلك الجزء من الطريق الذي يسبق بداية الطريق الزراعي، امتد الأفق مفتوحا أمامي بلا عوائق؛ سماء زرقاء صافية، وسحب بيضاء صافية. شتّان بين تلك اللوحة المشرقة البديعة وبين الأفق اليوم. يمتد الأفق أمامي الآن ونحن نقترب من غروب رمادي يخلو حتى من روح الشتاء. أفق باهت، بارد، يستدعي بإلحاح تلك الرغبة في سماع أغان من مفضلتي السوداوية. أسحب الهاتف وأسدّ أذني بالسماعات، وأغرق في تفاصيل الطريق تتكشف على كلمات الأغاني. يبدو لي كل الناس في تلك اللحظات وكأنهم في تصالح مع العدمية، وحماس للموت. المشاة العابرون، وراكبو الموتوسيكلات، وسائقو السيارات، وسائقو الشاحنات، وحتى الواقفون المتفرجون على جنبات الطريق. كلّهم يتحرك في طَيْشٍ يستدعي الموت ويهرب منه. على موتوسيكل يمرّ بجانبنا تحمل امرأة رضيعها على ذراع، وبذراعها الأخرى تتشبّث بزوج يتشبّث بذراع الموتوسيكل. يمرّ توك توك بتهوّر بجانب شاحنة، في تماسّ مع الموت لا يتحقق أبدًا. نسبقه فأجد فتاة تجلس بجانب السائق، وثلاثة في المقعد الخلفي، والكل يخرج أقدامه يؤرجحها في الهواء، لا يبالي إن أطارتها سيارة مسرعة. تَعْبُر امرأة الشارع دون أن تلتفت إلينا. نحن تمامًا في مجال رؤيتها؛ أكاد أرى انعكاسنا في ذلك الجزء من حدقة عينها البيضاء الذي يواجهنا خاليًا من المبالاة، ويكاد أن يكون خاليًا من الحياة ذاتها. تَعْبُر بخطوات واثقة، مُثبِّتةً صفحة وجهِها صَوْب شيطانٍ مريد يقبع مختبئًا على الجانب الآخر للطريق. أخافتني عينا تلك المرأة؛ ربما يتنكّر الموت في هيئة عينين بيضاوين تكشفانك في مجال رؤيتهما دون أن تهتمّا بالتحديق فيك حقًّا. أحدّق أمامي بعد وقت فَأَجِد المنظر المألوف لشاحنة ضخمة، بعينين حمراوين، وخطوطُ الزينة الخضراء تومض على جوانبها الأربع. تسحرني فكرة لا تفتأ تراودني كلما ارتحلنا على طريق؛ أن نصطدم بشاحنة وينطفيء كل شيء فجأة. نهاية تليق بطريق عبثي، وعلى شرف تلك الخاطرة ها هي أغنية أخرى تُضفي المزيد من أجواء الرومانطيقية على النهاية الشعرية. تتجمع خطوط تدوينة تريد أن أكتبها عن هذه الساعات في ذهني وأنا أحدّق في ظهر الشاحنة. هل يتحقّق الخيال وتبتلعني عيناها؟ هل إنْ حدث ذلك صرتُ حادثًا عشوائيًّا بائسًا ثم أُنْسى كالكثيرين مِمَّن ابتلعهم الطريق ثم نسيهم؟ هل تضيع خيوط التدوينة دون أن تُكتب؟ ربما تأخذ الطريق بي شفقة ويكتب تلك التدوينة فلا تضيع في هذا الأثير المظلم الكئيب. وددتُ لو أني أحيا بعد الموت دون أن أحتك بالحياة؛ أن أبقى متفرجة، فأرى ما يفعل الناس من بعدي، وكيف تستمر الحياة بدوني، لأن الحياة تستمر بدون الأموات. ولكن هل تستمر الحياة الآن بي؟ أحاول أن أتخيل قصص حَيَوَات الناس من حولي؛ الساكنين في البيوت المشرفة على الطريق، والسائرين نيامًا، والسائقين، والواقفني. أتسائل كيف يمكن أن يتحمل عقل التفكير في التفاصيل الصغيرة للمآسي والأفراح التي يعيشها كل إنسان، في النوايا والهواجس التي يحملها كل إنسان. أحاول أن أتخيل الله مُشرفًا بعلمه على كل هؤلاء ومن سبقهم، فيعجز عقلي عن تخيل طريقة فعالة للإلمام بكل هذه التفاصيل دون أن يُجنّ من الحزن والغضب والقهر، دون أن يطير من الفرح والبهجة. أقرّر أن أنسى، أن لا أهتمّ. كل هؤلاء يَحْيَوْن ثم يموتون. حتى نهاياتهم لا تليق بالحياة؛ يكون الواحد منهم ملء سمع وبصر أحِبَّتِه، ثم ينتهي فجأة بلا إنذار أو تنبيه، ويكون الواحد منهم تافهًا لا يهمّ، وينتهي نهاية درامية تجعل منه بطلًا. تهبنا الحياة نهايات متنوعة، ولكنها لا تليق بكل الحيوات. أتخيّل أن العدل يُحَتِّم أن ينال العِظام نهايات عظيمة، وأن ينتهي التافهون بلا ضجيج، ولكن ما أدراني أن هذا هو العدل؟ يمرّ على يميني قطار، فأتذكر كيف أخبرتني صديقتي عن ابن عمتها الذي عبر شريط القطار بعد موعد عمل، فباغته القطار بأن أطار رأسه. هذه نهاية درامية حقًّا، ولكنها تتكرر كثيرًا حتى أصبحت غير ذات حيثية في الذاكرة. لماذا يستمر الناس في عبور شريط القطار رغم أن القطار يطير الرؤوس؟ أحدّق أمامي ثانية فأرى أن الشاحنة اللعينة لا تزال أمامنا. يتحول العالم كلّه إلى تلكم العينين، تسحرني؛ تصبح كُلَّ الدنيا، حمراء في خضراء. ربما يتنكّر الموت في هيئة جماد لِيَضحك علينا؛ يكاد يُلَعِّبُ حواجبه الخضراء مذكرا إيّاي أنه لا يجيد إلّا لُعبة الحظ. تنقلب سيارة بعائلة فيموتون جميعا، ويبقى بائعو السمسمية الذين يتقافزون بين السيارات. هل يسألون أنفسهم وهم يتقافزون عن جدوى حياتهم والوجود؟ يختار الموت أناسًا لهم أحلام وعائلات وأقساط يدفعونها وأعمال يتبرمون بها، ويختار أناسا لا يمكلون الأحلام. يختار الموت كل الناس، فهو لا يختار حقًّا إلا بالنسبة لنا. ربما اختيار الموت الوحيد هو في حجم الفاجعة التي يحب أن يتركها وراءه. ما الذي سَيَنْقُص من هذا العالم إذا ما مات حلم؟ إذا ما ماتت تدوينة؟ تمرّ بجانبي سيارة من سيارات الربع نقل، حيث يجلس في الخلف رجل ومجموعة أطفال. يقف طفل فضولي مستندا على دعامة السيارة. يقفز بجسده في الفضاء المفتوح مع حركة الطريق. يقفز قلبي رغما عنّي. اللعنة! لماذا لا أزال أهتمّ؟! ينظر إليه الأب هُنَيْهة ثم يأمره بالجلوس في ضجر يكاد أن يكون مرحًا. أنظر إلى الأب ونحن نتجاوزهم. ينظر إليّ ولا يرمش له جفن. نقترب من الشاحنة ذات العيون الحمراء. يضغط السائق الفرامل ليهديء من سرعة سيارتنا، فأضغط أنا بقدمي اليمنى على بدّال بنزين وهميّ. أغمض عيني على العيون الحمراء والخطوط الخضراء. أَسْرِع! هيّا! ينتهي حينها كل شيء فلا أعود أفكّر في كل هذا العبث والجنون! لا أعود أفكر في تدوينات لم تُكتب، وأعمال لم تُنجز، وقلب لم يُعشق، ومآسٍ لم تجد من يحزن لها. لا أهتمّ أن تنالني المنايا خبطَ عشواء. خبط عشواء! لله درّ أبي سُلمى؛ لابد وأنه زار المستقبل يومًا وسار على طريق ما. أفتح عينيّ أخيرًا فأرى أننا تجاوزنا الشاحنة. لقد تجاوزني الموت العابث هذه المرة كما فعل في مرات عديدة. إلى اللقاء إذاً في مرة قادمة.

إن هذا العالم مجنون، وربما نسيه الله حقًّا.


Wednesday, March 8, 2017

جِدِّي العزيز

جدّي العزيز، "جدّ ميرفت" زي ما كنت بتحب تمضي جواباتك

رغم إني معرفتكش في حياتك يا جدّو، إلا إنك مش هاتتخيل قد إيه واحشني ونفسي أشوفك وأقعد معاك. واحشني جدّو اللي عرفته من جواباته وعرفته من كتبه. فاكر يا جدّو جواباتك اللي كنت بتبعتها لأهلي في الغربة؟ أنا أرشِفْت الجوابات دي، وضمّيتهم بين دفتين دوسيه محترم في دولابي، وكل فترة لازم أطلّعهم وأقراهم، علشان أفضل فاكراك، وكمان علشان أفضل فاكرة أنا كنت إيه في عينيك وفي قلبك. أنا كنت حدّ اتحبّ، وتغريبتي وجعت حدّ. عرفتك يا جدّو في جواباتك، اللي سكبت بين سطورها حتّة من روحك المعذبة بالفراق والقلق والوَحْشة. كنت انت في وَحْشة وكنت أنا في وَحْشة. وحشتي زمان أصبحت جزء مني، ودلوقت بتتبدِّد كل ما أمسك جواباتك، وأقرا فيها اللي كتبته عني، ويعزّيني إنك كنت بتفتكر ميرفت الصَّغِيرة تقوم وحشتك تتبدّد ولو قليلاً. فَرَق معايا فوق ما أقدر أوصف يا جدّو إنك كنت حاسس بهشاشة الطفلة الوحيدة مع أم وأب مطحونين في الشغل. حسّيت ووصّيت، وشدّدت في السؤال وشدّدت في الوصاية. كنت ملء قلبك وتفكيرك زمان، وانت دلوقت باستمرار في قلبي وفي تفكيري، بس انت شفتني، وأنا ماشفتكش. انت لحقت أيام سعادة من عمر الزمن اللي بيننا، وأنا مليش غير الجوابات أتخيل منها مقدار السعادة اللي كان ممكن تنعم بيها عليّا. قاسي جدّاّ يا جدّي التفكير في الفرص الضائعة والسعادة الفائتة اللي بيسرقها منا الزمن ويلوّح لنا بيها علشان نقاسي مرتين؛ مرة بِفَوات السعادة، ومرة بإدراكنا لوجودها ..


يا ترى لو كنت وعيت عليك وعشت معاك كنت هاحبّك زي ما حبّيتك من جواباتك؟ مَحَبِّتك الغامرة اللي بتنطق بيها كلماتك، واهتزاز صوتك اللي لم يخجل إنه يِنْكِسِر مستعطفاً أهلي إنّهم يسيبوني معاك، بيقولوا إنّي أكيد كُنت هاحبك، بسّ أنا لعينة يا جدّي؛ ممكن جدا لو كنت نعمت بِمحبّتك وحنانك كنت أشوف نفسي ومحدّش يقدر يكلمني. ممكن جدا مكنتش أبقى أنا، بكل مشكلاتي وعقدي وأزماتي الوجودية؛ كنت بقيت بنت دلوعة وحلوة ومحدّش كان يقدر يستحملني. أنا، بسبب مشكلاتي وعقدي وأزماتي الوجودية وبالرّغم منها، مُحْتَمَلة يا جدّي. بس الجزء الغير لعين مني حاسس إني كنت هابقى إنسانة سويّة ومتفتحة للدنيا والناس ومش شايلة لهم همّ؛ إنسانة بمشكلات بسيطة وعُقد سهل تِتْفَكّ وأزمات وجودية تحلّها قعدة معاك تنوّرني بفيض حِكمتك.




صغيرتك، "مهجة قلبك ومنية نفسك"، "العزيزة الغالية الخفيفة الذكية" تِعْبِت كتير يا جدي، وكان نفسها تكون موجود علشان كانت تقدر تترمي في حضنك وتعيط وهي واثقة إن محبّتك ليها هاتطبِّب جروحها الصغيرة. زيّ ما انت اشتكيت لأهلي من وحدتك بعد ما سبتكم، أنا كمان فضلت وحيدة كتير يا جدي، وعلى قد ما وصّيتهم يبعدوني عن الشبابيك، مكانش ليّا رفيق لِسِنين طويلة غير الشبابيك؛ أبصّ من وراها في الطفولة الأولى على دنيا فرحانة وأتمنى أفرح زيّها، وأبصّ من وراها في المراهقة على ولد يعجبني وقلبي له يدقّ. يا ترى يا جدي لو كنت حكيت لك كنت هاتفهم وتضحك وتقول لي ده عبط يا بنت وبكرة تكبري وتتجوزي سيد سيده، والّا كنت هاتغضب وتخاصمني؟ أنا مخرجتش بره الشبابيك يا جدي؛ بيتهيأ لي إني لحد دلوقت لسه محبوسة جواها، لسه باتفرّج ع الدنيا من بعيد، ولسه مستنية ولد قلبي له يدقّ. 


كإني لما كنت معاك يا جدّو كنت ممكن لو شفت قطة أناديها وأحاول أنط من البلكون؟ تخيل يا جدّو إني لحد دلوقت لسه فيّا الداء ده؟ لو كنت كبرت معاك يا جدّو زيّ ما اتمنيت كنت هاتحايل عليك تجيب لي قطة، وكنت ألعب معاها وانت معانا، ونضحك كلّنا في بهجة خالصة لِوَجه الحياة الحلوة الهنيّة. في وحدتي هناك مش بافتكر نفسي وأنا باضحك يا جدّو. يبدو لي إنّك الوحيد في الدنيا يا جدّي العزيز اللي أشفق على وحدتي وسط الكبار، ولكن يعزيني إنك قاسيت من الوحدة زيي، وإنها لتعزية قاسية جدّاً؛ إنّي ممكن أتوّنس بمآسي الآخرين. كنت انت وحيد في شقّتك، بتفكر أنا عايشة ازّاي، وكنت أنا وحيدة في بيت غريب، معرفش الأطفال الطبيعية بتعيش ازّاي. كنّا احنا الاتنين أشقياء بوحدتنا، لكن أنا أخدت وقت علشان أُدرك، وانت عشت الألم كامل أيام وسنين. جواباتك عرّفتني إنّك عشت آلامك وعشت آلامي بالنيابة عنّي. معلشّ يا جدّي، ياريتني كنت أقدر أبعت لك فرفشة من هنا للعالم الآخر.. طيب تعرف يا جدّو إنّ لمّا لساني بدأ ينطلق بالكلام كنت باغنّي تِتْر فوازير "الخاطبة" وحافظاه صمّ؟ أنا متأكدة إنّك كنت هاتحب تسمعني باغنّيه ياجدي، وكنت هاتصقف وتغني معايا كمان! أصلك قلت عليّا "كَرَوان" لما سمعتني في شريط الكاسيت. كنا هانغنّي "الخاطبة" سوا يا جدّو، والقطّة بتلعب حوالينا، ونضحك كلنا في بهجة.


ياترى ممكن يكون انطباعك إيه يا جدّي عن ميرفت الكبيرة؟ كنت هاتحبها برضه وماترضاش بصحبتها بديل؟ التاريخ بيقول إننا كنا ممكن نصطدم في وقت من الأوقات؛ انت راجل مستقر في تقاليدك ومطمئن في قناعاتك، وأنا واحدة قَلوقة مُستَنْفَرة للاعتراض عند أي تحدّي. بس برضه يا جدو ممكن تعجبك حاجات في ميرفت الكبيرة. تعرف يا جدّو إني باكتب؟ على قدّي يعني، ساعات بالفصحى اللي بتحبها، وساعات بالمصري اللي كنت بتستخدمه لما قلبك يفيض بمشاعره، وساعات بالانجليزي. كنت أحب يا جدّو لو تقرا اللي باكتبه، وتقول لي رأيك، وتصحّح لي اللغة، ونتناقش في الصياغة وفي الأفكار. يا ترى كنت هاتفضل على رأيك في كلماتي "العذبة اللطيفة الرشيقة"؟ وهل فعلاً أنا كنت أحفظ "قاموس شتائم" يا جدو؟ 😄 أطمّنك بما إنّك سألت إنّي لم أنس شيئاً بل أمتلك قاموس شتائم هايل بيزداد ويتوسع كلما امتدّت بي الحياة وشفت منها ما يغيظ ويفرس. أفتكر يا جدو كنت هاتضحك لما تسمعني باشتم وأنا غضبانة على الدنيا واللي فيها، لكن يجوز برضه إنّي كنت أتهذّب بفضل توجيهك ليّا، وأتسامح مع الدنيا وساكنيها بفضل محبّتك ليّا. 

كنت أحبّ كمان لو تسمح لي أكتب لك اللي يخطر على بالك علشان ماتتعبش نفسك. نقعد سوا في أوضة مكتبك اللطيفة، تقعد انت على كرسي الصالون اللي باحبه، وأقعد أنا ورا المكتب، تملّيني وأنا أكتب. كنت باحب الأوضة دي قوي يا جدّو. غير باقي أوض الشقة اللي كان فيها حميمية، أوضة المكتب دي كنت باشوفها محراب علم وتأمّل، وبوّابة للماضي مش أي حد يقدر يعبرها. لمّا كنت أزور تيتة، وتدخل تنام وقت العصريّة، كنت أنتهز الفرصة وأدخل الأوضة بشويش، وأفضل أمرّ بأطراف الأنامل على المكتب، وحروف كنب الصالون، وأقف قدام المراية المتعلّقة في نصّ الحيطة، وأبصّ على نفسي، وأبصّ على صورتك اللي متعلقة جنبها، ويتهيّأ لي إنّي لو وقفت هناك ساكنة بما فيه الكفاية، بوّابة العبور للماضي هاتفتح لي، وهابصّ ألاقيك هناك ورايا، جنب المكتبة.

المكتبة دي يا جدّو حدوتة.



قد إيه كنت باحب المكتبة بتاعتك يا جدّي، كانت كتبك مرصوصة على الأرفف الخمسة بأناقة وترتيب، بأغلفتها الأنيقة المتناسقة، وإسمك المطبوع عليها بِمَيّة الدهب، واللي كان في آخره اللقب اللي أمي مابتحبّوش، وريحتها؛ ريحة الكتب الكلاسيكية اللي نَعِمت بكل عناية واهتمام. كتب كما الخمر الفاخر المُعتّق في قبو قديم. تعرف يا جدّو إني كنت باخاف أمدّ إيدي على الكتب دي عشان ما أبهدلهمش؟ أول مرة لمست فيها الكتب دي كانت بعد وفاة تيتة الله يرحمها، لما الإخوات قرّروا يبيعوا المكتبة بمحتوياتها. قرّرت أشتريها أنا، وكان أسهل قرار خدته في حياتي. كان قرار بديهي مش محتاج حسابات، مش بس علشان أنا باحب الكتب، لكن كمان ده كان الإرث الوحيد اللي فاضل لي منك. طبعاً أنا باعتذر لك يا جدّي إنّي اضطّريت أنقل الكتب في صناديق كتيرة من القاهرة لبيتنا. كنت أتمنى لو أقدر أنقلها في بيتها الخشب اللي انت اخترته لها وفِضْلت فيه سنين مُعزّزة مُكرّمة، لكن ما باليدّ حيلة. نقلتها في الكراتين، وفضِلت ساعتين على الطريق أتخيل اللحظة اللي هاوصل فيها وألمس الكتب دي أخيراً. تعرف يا جدّو إني ماقدرتش أستنّى وفتحت الكراتين وبدأت أرتّب الكتب لمجموعات وثيمات؟ عارف قدر السعادة اللي ملا قلبي وعقلي طول الليلة اللي فضلت أرتّب فيها الكتب دي؟ 



كنت بافتح كل كتاب، أقرا منه صفحتين، أشمّ ريحته، أدوّر على أيّ حاجة تكون كتبتها في مقدمته أو هوامشه، أي رسالة تكون سبتها لي، أي جواب تكون بعتتهولي على أمل إني أقراه في المستقبل. طلعت بتحبّ تكتب في الهوامش يا جدّو! أنا كمان باحبّ أعمل كده. احنا الاتنين يا جدّي عارفين إن الكتب دي مِلكيّة مُقدّسة، وإنّ الكتابة في الهوامش علاقة شخصيّة جدا بين الإنسان والكتاب، علشان كده مش هاكتب في هوامش كتبك يا جدّو، وإن كنت هاسمح لنفسي إني أتطفّل على علاقتك بيهم، وأفهم إيه اللي كان بيلفت نظرك لدرجة إنك تشتبك معاه بالكتابة. 


قضيت ليلة سحرية بين أغلفة وصفحات كتبك، واتهيّأ لي إن البوّابة وقتها اتفتحِت، وعدّيت منها وقضيت الليلة معاك وسط الكتب بنرتّبها. ليلتها اعتذرت لكل كتاب فيهم وأنا باتعرّف عليه عن البهدلة اللي شافها في رحلته من طنطا للقاهرة للمحلة، ورتّبتهم في مكتبتنا المتواضعة، ووعدتهم، وباوعدك، إني هاحافظ عليهم، وأقراهم، وأحفظ جوارهم الكريم. مكتبتك الجميلة يا جدّو في عينيّا، ماتخافش عليها، وكل ما آخد منها كتب أقراه، هاختار منه الأجزاء الحلوة وأقراها لك بصوتي "الموسيقي الجميل".

صحيح يا جدّو نسيت أسألك، انت قريت كلّ الكتب دي؟ قريتها كام مرة؟ زمان كنت باقرا الكتب اللي تقع تحت إيدي مرات ومرات. دلوقت أنا كسولة ومش قادرة أخلّص الكتب اللي عندي. أنا برضه يا جدّو باشتري كتب وبأؤسس لنفسي مكتبة على قدّي، بس أنا لسّه موصلتش لمرحلة إني أعتني بكتبي وأغلّفها وأنقش إسمي على كعبها بمية الدهب. أكيد هايجي اليوم اللي فيه أكون قريتها كلها، وماتخافش، أنا مش هانسى وعدي ليك إني أقرا كتبك. طبعا أنا مجمّعتش مجموعتي ومجموعتك في مكان واحد! إش يوصّلني إني أجمع اختياراتي المتواضعة بمجموعتك الثمينة من أُمّهات الكتب. يا ترى يا جدّو كان هايبقى رأيك إيه في اختياراتي؟ ياريت كنت أقدر أتكلم معاك عن الكتب اللي قريتها، وأسمع منك عن الكتب اللي قريتها انت. أعتقد إنك الوحيد اللي كنت مش بس هاتفهمني، لكن كنت هاتتحمس معايا للنقاش في اللي قريناه. ياه يا جدو .. قدّ إيه كنا هاننبسط بوقتنا مع الكتب.

جدّي الحبيب، أنا معرفش عبد الستار موجه التربية والتعليم، ومعرفش عبد الستار الأب والزوج؛ أسمع عنهم بس. يمكن القريبين منك واللي عاشوا معاك وعاشروك كانوا شايفينك قاسي شويتينو عرفوك بصورة مختلفة عن اللي في خيالي، ويمكن يستنكروا في سرّهم رومانسية الصورة اللي ليك في خيالي، وأنا أتفهّم تماماً لو استنكروا. لكن أنا ماشفتش، وماقريتش، وماسمعتش منك غير كل عطف صادق وحنان جمّ، لو كنت نعمت بعُشرهم كنت يمكن بقيت إنسانة تانية، قادرة أحب الدنيا وأحب نفسي، يمكن مكنتش اهتميت بالقسوة اللي شفتها من ناس كتير، مدام كنت دايماً هاقدر ألاقي محبّتك الفيّاضة تغمرني ولو من حين لحين. أما وإنّ الأقدار كان ليها تصريف تاني، فمليش عزاء عن كل هذا العطف المفقود غير في أحلى حاجتين اتفضّلوا لي من ريحتك: لطائف جواباتك، أقراها وأبكي، وأضحك، وأتعزّى بإن فراقي قطع بيك زي ما قطع بيّا إني ماوعيتش عليك ولا إن القدر أسعدني بجوارك؛ وكتبك، أصاحبك فيها، وأونسك في أبديّتك بإني أقراهم لك في وقت ما، ولعلّه يكون قريب. 

حفيدتك المحبة، ميرفت
2017


Saturday, March 4, 2017

من الأقصر إلى روما والعودة

كم تتشابه الأماكن، وشتان ما بينها.

في لحظة فارقة في الزمن ومنه، قررت العام الماضي أن أسافر إلى الأقصر وأسوان لمدة أسبوع، أهرب فيه من ضغوط كادت أن تقضي على ما تَبَقَّى من سلامي النفسي الهشّ. كنت قد عزمت أشد العزم أن أكتب عن رحلتي تلك بعد عودتي من هناك، والتفاصيل لا تزال حيّة في مخيلتي، والإحساس بالمكان لا يزال طازجاً، ولكنّ السلام النفسي الهشّ ازداد بُعداً عن المنال، وحالت أمور كثيرة بيني وبين قدرتي على استحضار حالة الكتابة مدة لا بأس بها من الزمن. وقر في صدري أنّني مهما حاولت أن أصوغ تجربتي في كلمات فسيكون أيّ ما أكتبه غير ذي معنى، تماما كما اعتقدتُ صادقة أنّ الصورالتي التَقَطْتُها ونَشرْتُها لم تفِ المكان مقدار عُشر من عظمته. لا بد أن ترى لتعرف.

ثم مرّت شهور لأجدني في طريقي إلى روما على شرف رحلة لحضور مؤتمر. في روما قضيت أسبوعا، استقطعت منه يوما لزيارة فلورنسا، وكما حدث في الرحلة الأولى، عدت من هذه الرحلة أكثر هشاشة وعجزاً. وجدتني أقنع نفسي أن التجربة لابدّ لكي تظلّ حَيّة في مخيلتي أن لا تتجسّد في كلمات. كانت الكلمات تراودني عن نفسي أحيانا، ثم تتسرّب من بين يديّ رافضة أن تسكن الورق. أردت في أوقات كثيرة أن أحتضن كل من زاروا تلك المدن من معارفي، وأدركوا، وفهموا، علّ هذا يكون عزاءً لي عن عدم قدرتي على الكتابة.

أجزم أن هذين الأسبوعين هما كل ما عشته حقّاً في السنة الفائتة. كانت السنة امتدادا من الظلام القاتم، فيما عدا تلك الأيام القليلة التي قضيتها بين باحات الأعمدة وشواهد المقابر والمباني العتيقة والمتاحف المفتوحة والمغلقة أمام الجداريات واللوحات.

في باحة الأعمدة في معبد الكرنك بالأقصر وجدت سلاما، وفي باحة قصر پامفيليچ في روما وجدت سلاما، وبين أعمدة معبد إدفو بأسوان وجدت سلاما، وفي ممرات كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا في فلورنسا وجدت سلاما. بين تلك الأعمدة والباحات والممرات المزدانة بالصمت وترديد العصافير وجدتُ السَّكِينةَ والفرصة في الاختباء من الناس ومن هواجسي. أتذكر لحظة اللقاء الأولى. أتذكر كيف انحبست أنفاسي، ليتبعها نفس طويل عميق، ثم سلام غامر دافيء. لا بدّ وأنّ هذا هو ما يشعر به المرء عندما يعترف لنفسه بأنه وجد الحب الذي يشبع روحه. كنت أدور بين الأعمدة وأمشي في الممرات وأُشْرِفُ على الباحات، ليس كطفلة صغيرة مرحة تقفز حول أماكن جديدة، ولكن كامرأة تستكشف أركاناً في نفسها ظلت خبيئة الزمن أعواماً طوال. وراء كل عمود كنت أجد قطعة من سلامي الهشّ، ذاك التائه الذي ظلّ يتسرب مني، وكلما انتهيت من مكان لملمت القطع وضممتها إلى ركن من قلبي، واعدة إياها بأن أعيدها قريباً سالمة إلى الكلّ؛ أَسيرِ الحياة التي تجري ولا تتوقف. ربما هذا ما لأجله لم أرد أن أكتب قبل اليوم؛ كنت سأكتب قبلا لأروي، والآن ربما آن الأوان أن أكتب لألملم شتات النفس وأعيد كل قطعة من تلك الأماكن لموقعها الصحيح في نفسي.
 
باحة الأعمدة بالكرنك - الأقصر (تصويري)

أعمدة معبد إدفو - أسوان (تصويري)

باحة قصر پامفيليچ - روما (تصويري)

باحة في كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا - فلورنسا (تصويري)

عندما رأيت باحة أعمدة الكرنك لأول مرة، وخفق قلبي وأخذت ذلك النفس العميق، ابتسمت هازئة من نفسي أن أنكرت عليها رؤية المكان قبل ذلك اليوم. كنت أمشي بين الأعمدة كما تخيلت أن الكهنة لا بدّ وأن مَشَوْا. في البدء أردت أن أصرخ في الزوار الذين كانوا يسيرون حثيثا لِيَرَوْا كل شيءٍ في المعبد ويضعوا علامة "صح" أمام كل العناصر في قائمة مشاهدة تَخيُّلِيَّة: "ليست هذه هي الطريقة الصحيحة لزيارة المكان! هذا مكان مقدّس يجب أن نمشي فيه بِسَمْتِ العابدين المُتَدبِّرين!" ثم عدَلْتُ عن الاستنكار، وقررت أن أكون أنا الكاهنة العابدة. ولكن ماذا تُراني أعبُد وأُقَدِّس بين هذه الأعمدة وقد أنكرتُ من نفسي ودنياي كل شيء؟ هنا في الكرنك وجدتُ الأجواء التي يمكن أن تتصالح فيها النفس مع اضطرابات فكرها بين الإيمان والكفر. يبدو الكرنك وكأنه لا يقبل النقاش في المسلمات، ويفرض عليك التسليم بمنظور فكري أُحاديّ تظنه ينعكس من خلال جدران المعبد، ولكن ما أن تألفه حتى يُقيم معك حواراً عميقاً حول منطقية المسلمات وتنوعها. وكأن الأعمدة بما كتب عليها من رموز وقصص مختلفة، وبما زان تيجانها من هندسات ونقوش متباينة، تَدُلُّكَ على إمكانية أن تبني العناصر المختلفة صرحاً ضخماً خالداً، لا يهمّ فيه التجانس بقدر ما تهمّ المساواة في الأدوار، فَتَخْلُقُ المساواة التجانس في أُفُقك. ترى الأعمدة أشكالاً ترمز للشمال والجنوب، للربيع والشتاء، للانزواء والتّفتُّح. تقف الأعمدة معاً فلا يحجب أحدها الآخر من أي زاوية نَظَرْتْ. سَيَمُرُّ بعض الوقت قبل أن أدرك ماهية تلك المعاني، وأقوم بمراجعات نقدية لأتقبل أن أرى الآخرين الذين قد تستفزني قناعاتهم من منظور شمول الحقوق وتكافؤ الإرادات. أعتقد أن باحة الأعمدة في الكرنك هي التجسيد الأمثل لما يطلق عليه الأمريكيون "inclusion". لا أملك ترجمة تنقل المعنى بأمانة إلى لغتي.

ظننت بعد الكرنك أن كل المعابد ستكون سواء، ولكن المصريين عرفوا أن ليست كل الآلهة سواء. في كلّ معبدٍ جديد كان هناك دوماً مَلْمحٌ جديد وقُدْسٌ جديد وقصة جديدة، ولكن لم تُبْعَث السكينة في نفسي من جديد إلا عندما وصلتُ لمعبد إدفو. هنا تجد سقْفاً يُظَلِّلُك، ترفع النظر إليه لتجد الأعمدة وقد مدّت أعناقها له في قُبُلات أبديّة ناعمة. هل كان لأعمدة الكرنك سقف تُقَبِّلُه؟ لست أدري، ولكن ما وقر في صدري أن أعمدة الأقصر كانت حُرّة لم تُحِبّ؛ هي فقط تمنح تَفَهُّماً واحتِواءاً أبديّاً. أعمدة إدفو كانت تبدو لي كعاشقة هانئة في ركن منعزل مع حبيبها. حتى الألوان الحائلة على الأعمدة والسقف كانت هادئة لا صخب فيها. ألوان إدفو نقلت إليّ إحساس نضج مكتمل، عكس نظيرتها في الكرنك، التي كانت مُبْهِجة وشقيّة، تتحدّى الزمن أن يمحوها إن جرؤ. لا أنكر أنّني أحببتُ أعمدة إدفو أكثر، ولازلت أطيل النظر في صورها كلما أردت أن أستعيد الشعور بالتآلف والمحبّة. أما بين أعمدة الكرنك فهو المكان الأمثل لمن أراد التأمل في أسرار الكون وفلسفة الأشياء أو أراد سبر أغوار النفس. أعمدة الكرنك لم تُخلق للحب، فهل أنا لم أُخْلَق إلا للحب؟ لا أحب هذه الفكرة. أحبُّ لو أكونُ حرة، ولكن هيهات أن أتحرّر وقد مررتُ بمعبد إدفو.
 
ألوان سقف وأعمدة معبد إدفو - أسوان (تصويري)

ألوان من معبد الكرنك - الأقصر (تصويري)

بعد أشهر، وأنا أسير في ممرات كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا للمرة الأولى، وَجَدْتُني استدعي مشاهد إدفو من ذاكرتي. كم يتشابه المكانان. في الكاتدرائية أيضا الألوان هادئة ناعمة، وهناك أيضا محبة عظيمة تسري نسماتها بين جنبات المكان. داعبت المشاهد في الكاتدرائية لقطات ضبابية في ذاكرتي من سنين ماضية، حين كنت أتسمّر أمام التلفزيون لأشاهد وثائقيات التاريخ والفنون الإيطالية دون أن أفهم شيئاً. ها هنا قطعة من ماضٍ بعيد بدأ فيه ولعي بالتاريخ الأوروبي. هنا سلام من نوع خاص، سلام أمومي، وكم افتقدْتُ السلام الأمومي في حياتي. هنا وجدْتُ محبَّة شاملة لا تعرفُ حدوداً ولا تشوبها نواقص الرغبة والتجمُّل. محبَّة ربما يعود أصلُها للأمّ الأصل التي تسمَّت الكاتدرائية باسمها؛ مريم القِدِّيسة التي يقولون أنها وَهَبَتِ الحياة دون رجل. جلستُ في أحد ممرات المكان وتأملتُ حولي، هنا يمكن أخيراً أن أجد الراحة من ذكريات الماضي، أليس احتواء الأم ملجأً لنا من كل شرور العالم؟ هل يمكن أن أبقى هنا للأبد؟ كلا بالطبع، فلا بدّ أن نغادر حضن الأم يوماً لنواجه ذلك العالم وحدنا. أما وأنا لم أجده في الأصل، أما وقد واجهت الشرور وحدي منذ البداية، فتبدو محاولة العودة له الآن سخيفة وغير مجدية. وهكذا، ألقيتُ نظرة أخيرة، وقررتُ الرحيل.
 
أحد ممرات كاتدرائية سانتا ماريا نوفيلا - فلورنسا (تصويري)

شتّان بين تلك المحبة الهانئة والقوة العاصفة التي وجدتها بين ردهات قصر پامفيليچ، الذي كان أول مكان زرته في روما، وكانت زيارة بلا تخطيط مسبق، وإنما بمحض صدفة خلقها التجوال بلا هدف في أول يوم. السلام الذي بعثته فيّ باحة القصر أول ما دخلت كان سلاماً لئيماً يسبق عاصفة ستمتد طوال زيارتي لروما. كم كنت شاكرة أن أنفقت دقائق كثيرة في باحة القصر أتأمل سكونها وبساطة الجدران والنوافذ، فقد أعانتني هذه الدقائق على ما لحقها من ساعات، إذ ما أن خطوت أولى خطواتي في ممرّات القصر المُزدانة باللوحات والتماثيل من الأرض للسقف حتى أخذت بضع أنفاس مبهورة، أنفاس ستظلّ مبهورة طيلة ثلاث ساعات هي الوقت الذي قضيته بالقصر. ها هنا قصر مُثقل بإرث من السطوة وإرث من الفنون بكل مدارسها. لا ادعاءات بالتواضع في هذا القصر ولا براءة. كل لوحة تنطق بِسِرٍّ وتدعوني لأقترب بحذر كي تكشف لي عنه. كل تمثال يتّخذ وضعاً عابثاً، وهم في كل أوضاعهم تلك مشغولون في عالمهم الخاص الذي لا بدّ وأنه لا زال مستمراً منذ قرون، ينظرون إليّ في استهجان أن جرؤت على اقتحام قصرهم ومرتع عبثهم. سيكون هذا دَيْدَنَ كل القصور التي سأزورها في روما، وسيثير هذا في نفسي نوازع الشهوة للفن، والشهوة للتاريخ، والشهوة للسلطة.
 
أحد ممرات قصر پامفيليچ - روما (تصويري)

إحدى لوحات قصر پامفيليچ - روما (تصويري)

ستجذبني فكرة الشهوة للسلطة تحديداً، وسأمتحنها مجدداً عندما أقف في البهو الفخم لكاتدرائية سانت پيتر في الفاتيكان، حيث تتجلى بأقوى الصور، وَكُلِّها، سلطة الكنيسة على الفن، وسلطة الفن على الكنيسة، فلا تعرف من يخدم أهداف الآخر، ولكن تعرف يقيناً أن الاثنين منتصران انتصاراً كاملاً في هذا المكان. كان يجب أن أعترف أن زواج الكنيسة والفن هنا زواج ناجح صمد لتقلبات السنين صموداً لا يزال يخلب لبّ الزائرين؛ زواج كاثوليكي تقليدي تماماً. لا يعني هذا أنه كان زواجاً عن حب. الزواج المبني على الحب كان هناك، في جنوب مصر، حيث لا بهرجة ولا زخارف، وإنما تأسيس عابر للقرون، ولكنه بقي حبيس المعابد، ولم يمتدّ للبشر. 

قبة كاتدرائية سانت پيتر - الفاتيكان (تصويري)

بهو في كادترائية سانت پيتر - الفاتيكان (تصويري)
معبد فيلة - أسوان (تصويري)
لم يخطر ببالي قبل تلك اللحظة التي وقفت فيها في ممرات قصر پامفيليچ أمام صور البابا صاحب القصر، ولا في تلك اللحظة التي وقفت فيها أتأمل في انبهار جوانب بهو سانت پيتر، أني قد دؤبتُ على احتقار السلطة وادّعاء التَّرَفُّعِ عنها، وأن هذا الاحتقار والترفع ليس نُبْلاً، وإنما محض جُبْن؛ جُبْن رخيص يَتَلَبَّسُ عباءة المُثُل الفارغة. ثم إنني وقد انسقتُ في ادِّعائي التَّرَفُّعَ عن شهوة السلطة ادَّعَيْتُ أيضاً أنّني أود لو أهبُ نفسي للفن والثقافة، وأحترف الكتابة أو الموسيقى، فهل فعلت؟ ولكني جَبُنْتُ حتّى عن أن أُغرِق نفسي في الكتابة لأنتقل إلى المعسكر الآخر الذي يعمل من أجل الفن والثقافة فقط. جَبُنْتُ عن الكتابة، وجَبُنْتُ عن امتلاك ناصية طموحي العملي، واتخذتُ من كل جانب ذريعة لتجنب الاشتباك مع الجانب الآخر. لماذا لا أستطيع أن أكتب وأسعى في ذات الوقت للترقية في عملي بدعوى أنني قد أُغَيِّرُ شيئا للأفضل؟ إن ما كنتُ أظنه واقعية مني، حين استسلمت لضرورة العمل وأعطيته الحد الأدنى، واستسلمت لعفوية الإلهام وتركت له الحبل على الغارب يأتي حينما شاء، هو التخاذل عن الاعتراف بأنني يمكن أن أكون شيئا أعظم مما أكونه الآن إذا ما نَفَضْتُ عن نفسي الانهزامية أمام الماضي واسْتَدْعَيْتُ كامل قوتي. إن قوتي التي أعرف أنها لازالت تختبيء بين جوانبي تخيفني حقاً، ولكنها في ذاتها خائفة ومرتبكة. القوة بُعْدٌ سَيَصْطَدِمُ بي بِعُنف أينما أدرت وجهي في الأقصر وأسوان وروما وفلورنسا.

في صرح الجمهورية في روما، يبلغ استعراض القوة ذروة تكاد أن تكون فجّة في نظري. رأيته مبنى قاسياً مُدَّعِياً لا أصالة فيه. لا محبّة، لا تفاصيل متعاشقة مع حدث أو أرض أو أشخاص. مبنى بلا روح، كاللَّوْن الأبيض الذي يكسو جنباته، كالسياسة التي يرمز لها. أيّ غرابة في أن يكون هذا المبنى أبيض اللون! أين ال"تَلَوُّنُ" الذي رأيتُه في قصر پامفيليچ؟ أين رأيتُ نفس الحضور البارد؟ في معبد حتشبسوت. هناك رأيتُ استعراضاً واضحاً للقوّة؛ ضد الجبل ربما، ضد الرافضين لحكم الملكة الأنثى ربما، ولكني لم أجد فيه من الزخم العاطفي إلا اليسير من نقوش باهتة. هذان صرحان لا مكان للعاطفة فيهما. هذان صرحان تصعد إليهما درجات كثيرة وعلى مراحل متعددة؛ "تتسلّق" لِتَصِلْ.

صرح الجمهورية - روما (تصويري)
أحد التماثيل بصرح الجمهورية - روما (تصويري)

القوّة والعنفوان سمة سائدة في  روما. قوّة الكنيسة، وقوّة الفنّان. في الأقصر أيضاً وجدت القوّة؛ قوّة الدين، وقوّة الفنان، وفي كلتا المدينتين وجدتُ الشواهد على أبدع صور الامتزاج بين الدين والفن، ولكن هناك شيء ما، اختلاف ما، خضوع ما. قوّة الفنّ في روما ساخرة؛ يخضع الفنان ظاهريّاً للكنيسة، ويسخر كما يريد في منتجه النهائي، وربما لا تملك الكنيسة إلا أن تسخر معه هي أيضاً، ولكن الجميع يُظهرون الطاعة والولاء للدين.



روما لها أسطورة تأسيسية مثيرة، لا أعتقد أن الأقصر تملك لها مثيلاً. نشأت الأقصر كأي مدينة حضرية مسالمة، بلا مفاجآت. مدينة هادئة هي، يتجاور ملوكها ويُخَلَّدون على ضفاف نيلها باحترام لا يُنْبِيء عن صراعات السلطة المكتومة. أما روما فقد بدأت بأسطورة رومولوس وريموس، الذين رضعا من ذئبة أنثى ثم كَبُرا لِيَقتُل الأخ أخاه ويؤسس المدينة، لِتُصْبِحَ تلك المدينة دُرَّة النهضة الإيطالية ومهد فنّ الباروك. روما تأسّست بأسطورة عنيفة تُجَسِّد شراسة البقاء وشهوة السلطة، والأقصر انتهت بكونها أسطورة خالدة تُجَسِّد حب الموت وجلال السلطة. الأقصر مدينة تشي بالاستقرار والتداول السلمي للسلطة، حتى وإن دارت المؤامرات الخفية بأدب ومكر وراء الكواليس، وروما مدينة تبدو وكأنها تموج بالإثارة والصراعات الماكرة والصريحة، وراء الكواليس وأمامها.

في الأقصر إيمان عميق. حب عميق. 

في الأقصر تبجيل من الفنان لسطوة الإله وسطوة الملك. كل ما نُحِتَ وكُتِبَ ورُسِمَ فُعِلَ بإيمان راسخ. لم أر أي رسائل سخرية خفيّة في التماثيل أو النقوش، ورغم أنّي لم أفهم أيّا مما كُتِبَ على جدران المعابد، لم أسمع عن الكتابات المصرية القديمة غير التقاليد الراسخة عن الأسرة والأخلاق والكرامة. يكاد الأمر أن يكون مملاً لولا أن جولتك بالأقصر تجبرك على أن تحترم كل تلك التقاليد حتى وإن وجدتها ساذجة. 

أينما أدرتُ وجهي بين الأقصر وأسوان أجد التماثيل والنقوش المصرية القديمة، بخطوط صارمة واضحة. لا أرى لؤماً يختبيء بين انحناءات التماثيل وثنايا النقوش، منتظراً أن تكتشفه فتبتسم وإياه متآمرا وقد فهمت. في روما، تَتَحَسَّسُ عقلك مُتَوَجِّساً وتُجْهِدُ حواسّك بحثاً عن الخُدْعة في التفاصيل، عن النُّكْتة الخفيَّة التي تَتَسَتَّرُ وراء الانحناءات الناعمة. الوجوه في تماثيل ونقوش المصريين القدماء أُحاديَّة المشاعر، وكأنها تعلم أنّها تنعم بالسلام الأبديّ. أمّا الوجوه في التماثيل واللوحات الإيطالية فتنطِق بِزَخَمٍ من الانطباعات والتعبيرات التي تعجز عن حصرها، وإن كنت تفهمها حق الفهم، لأنها أنت؛ لأنها انعكاسك في أنبل وأحطّ حالاتك. في الغالب لن تَجِدُ نفسك في جدران المعابد المصرية؛ ما تجده هو صورة مثالية من نفسك؛ صورة بسيطة مسالمة نبيلة تغمرك بالحب للحياة والموت معاً. صورة تودُّ لو أنها حقيقة، ولكنك تعرف الحقيقة. الحقيقة هناك، في روما.

في الجنوب المصري ربما يصفعك في البدء جبروت البنيان وحِدَّة الخطوط، ويشرف كل شيء عليك من شاهق، فَيَتَوَلَّدُ لديك إحساس بالضآلة والعظمة جميعاً. ثم ما أن تتصالح مع هذا الإحساس المختلط وتطيل النظر في التفاصيل حتى تجد أن البنيان الذي كان يتعاظم عليك يعود فيبتسم لك في فهم، ويحتويك حتى تسكن وتهدأ أساريرك. تتأمل في منحنيات البشر والآلهة في التماثيل والنقوش الجدارية فلا تجد التجسيد الدقيق. لا ينحت ولا يرسم المصريون القدماء أنفسهم وآلهتهم بنفس دقة الأصل. لا انحناءات دقيقة ولا تماهي مع الواقع بأدق تفاصيله. اقتصاد في التجسيد لا يمنعهم من الحفاظ على التناسب في الأبعاد. حتى منحنيات أجساد النساء لا تُنْبِيءُ عن أسرار الأنوثة وسطوة الإغراء. الكل يبتسم ابتسامة متحفظة تُضارع الموناليزا. فقط في معابد العصر البطلمي والروماني تبدأ ملامح بدائية للإغراء الأنثوي في الظهور على النقوش، ولكنها تظل بدائية، بل إني أراها طفولية. في روما ستُبْهِرُكَ دِقَّة التجسيد للطبيعة والإنسان في التماثيل واللوحات. الفنان الإيطالي مهووسٌ لِحَدِّ الجنون بالتطابق مع الواقع والسخرية منه معاً. إنه يريد أن يُعَبِّر حتى عن الرغبة بذات الدقة الحسيّة، فتنطق تماثيل الرجال والنساء بفورة الرجولة وفيض الأنوثة. كلما وقفت أمام عملٍ فني يُجَسِّدُ البشر شبه العُراة في لحظات العنفوان أو الحميمية أضحك في سري، وأتذكر أولئك الرهبان الذين احتموا بالمعابد المصرية واتخذوها أماكن للعبادة، فأعملوا التخريب في نقوش النساء والآلهة بدعوى أنها فسق، وأتذكر الشيوخ الذين يُفْتون بوجوب تحطيم التماثيل الفرعونية بدعوى أنها أصنام. أما لو وصلتم إلى روما، لسوف يُجَنُّ جنونكم!
 
اغتصاب پروسيرپينا - معرض بورجيزي روما (تصويري)

امرأة تستحم - متحف الفاتيكان (تصويري)

ملاك حزين - الفاتيكان (تصويري)

لوحة في معرض قصر بورجيزي - روما (تصويري)

تمثال أپوللو ودافني في معرض قصر بورجيزي - روما (تصويري)

تمثال بمعبد الكرنك - الأقصر (تصويري)

الخطوط المصرية في التماثيل

أحد الجداريات بمعبد إدفو وقد شُوِّهت معالم الآلهة فيه - أسوان (تصويري)

فيمَ وجدتُ هوس المصري؟ في الكتابة. 
 
كتابة فرعونية على جدران معبد إدفو - أسوان (تصويري)

عجيب هو هوس المصريين بالتدوين والكلام. جدران كاملة تحتوي رموزا لا يبدو أن لها لها نهاية، ولا تخلو التماثيل والنقوش من نصوص هنا وهناك. ربما تروي قصص النصر، ربما تروي قصص التتويج، وربما تروي حواديت البشر. لن تجد هذا الهوس بالتدوين لدى الإيطاليين؛ الفنان الإيطالي يكتب بريشته وأصابعه على الجبس والرخام. الفنان الإيطالي لا يحب الرسائل المباشرة والسرد. الفنان الإيطالي يُمْتِعُهُ أن يمتحن ذكاءك وقوة ملاحظتك واهتمامك بالتفاصيل. أما الفنان المصري فلا يمتحن ذكائك ولا يستنفر حواسك القلقة بحثاً عن الأسرار؛ هو يقول لك كل شيء بوضوح، ولكن أن تفهم ماذا أراد المصري أن يقول على جدران المعابد، أن تفهم اللغة، تلك هي الخدعة الحقيقية! ما أيسر أن أُدَرِّبَ عقلي على أن ينتبه لخدع الإيطاليين، فأُسْبِغَ على أعمالهم تفاسيري وترجماتي، أو أُسَلِّمَ باستنتاجات السابقين من ذوي الخبرة. أما إشكالية اللغة فهي التحدي الحقيقي. أراني أميلُ إلى أن أعتبر الفنان الإيطالي طفلاً مُبْدِعاً لا تَحُدُّه القيود ولا التقاليد؛ ينطلق مَرِحاً يفعلُ ما يُريد ويتحدّى كل شيء، أما الفنان المصري فأجده كالرَّاشد الناضج الذي لا يَسْتَخِفُّهُ النَّزَق ولا تَتَمَلَّكُهُ الرغبة في تلوين الأحياء؛ قد آمن بقصور قدرته عن أن تُحَصِّلَ الكمال السطحي، فَرَكَّزَ جُهده في نقل المعنى الأعمق الذي آمن به، وحقق خلوداً ما دامت الحياة باقية.

البشر والآلهة في التماثيل والنقوش من الأقصر لأسوان خالدة أبدا، شامخة أبدا؛ لا تنحني ولا تتقصّع ولا تمزح. شرف عظيم لا ادّعاء فيه. في روما وفلورنسا تتلوّى التماثيل، من الرغبة، من الاستهجان، من الدهشة، من الرعب، من الصراع. التماثيل هناك تنبض. حتى الله ينطق بالحياة على جدرانهم. أما الآلهة المصرية القديمة فصامتة. من يتحرك على الجدران هم الملوك في ظل الآلهة، خطوة واحدة، كما يفعلون على رقعة الشطرنج. الكلّ في الحقيقة يخطو خطوة واحدة، وأنت لا ترى إلا جانباً واحداً من البشر والآلهة على جدران المعابد المصرية. لن تجد مصرياً قديماً يسكن جدران المعابد يواجهك وينظر إليك عيناً بعين. ما أشبه هذا بالجنة؛ الوجوه باسمة، الأجساد مستقرة، الخير وافر، والآلهة والملوك والبشر معا لا يكدّون في الحركة والسعي. ربما لهذا لا يتماهى فنّ المصري القديم مع الواقع، لأنه في الحقيقة إنما يُجَسِّدُ الخلود، حيث لا بهرجة ولا ادّعاء. المصري يحترم الخلود ويُقَدِّسُه، ولذا لن يَحُطَّ من قدْرِه بتجسيد لن يسمو أبدا للحقيقة الأبديّة. لا يدّعي المصري القديم أنه يمتلك المعرفة بماهية تلك الحقيقة، ولكنه مع ذلك مؤمن بِتَصَوُّرِهِ عنها.
 
مشهد البعث والحساب عند المصريين القدماء

مشهد للجنة بأحد أسقف قصر بورجيزي - روما (تصويري)
في روما تجسيد دقيق للحياة كما نعيشها، وللموت كما نصطدم به، وللحساب كما يصفه الله ونختبره نحن في تصاريف القدر. في روما تجد الجنّة على الأرض مُجَسَّدة؛ الحياة التي نحياها بالفعل. الجنّة ليست مكاناً مثاليا تَعُمُّه السعادة. السعادة الحقّة في الجنّة من نصيب الفلاسفة فقط، حيث قد فهموا وأدركوا. الجنّة الحقيقية في روما حسيّة؛ تزدحم بالألوان والشهوات وتفاصيل الباروك. أما جنّة المصريين فزاهدة، لا مكان فيها للشرّ والعذاب. جنّة الطريق إليها مفروش بالأمل في أن يزن القلب مقدار ريشة الحقّ. هي الجنّة التي يطمح إليها نبلاء النفس، ولكن يعلم العاقلون أنها قد لا توجد أبداً. العاقلون يذهبون إلى جنّة روما، ويتعايشون مع الحياة. 

الحقيقة هناك. في روما.

في روما، ما أكثر الهالات، وما أوفر السخرية المبطنة الذكية. الفن للحياة في روما، والفن للدين في الأقصر، حيث لا استخفاف، حيث كل شيء محاط بالقداسة، بلا هالات كاذبة. ليتها تكون الحقيقة، إذاً لارتاح أهل الفكر والفلسفة، ولوجدوا في ما نُقِشَ ودُوِّنَ على جدران المعابد المصرية عزاء عن سيادة الحس والشهوة.

الأقصر وروما وأسوان وفلورنسا. مدينة للفلسفة، ومدينة للحب، ومدينة للسلطة، ومدينة للاحتواء. ما الذي يجمع بين تلك المدن؟ أُحِبُّ أن أسمّيها مدن الحبّ والاستعراض. في كل وجدتُ حبّ الحياة وحبّ الموت وحبّ الدين وحبّ السلطة، واستعراض الحياة واستعراض الموت واستعراض الدين واستعراض السلطة بالطبع.

عدت من الأقصر وأسوان وأنا خائفة من أن أكون قد وقعت في حب مصر لم تعد موجودة. ستظل الآثار موجودة، فقد تحدّت تصاريف الزمن قروناً طويلة، ولكني أفتقد الحياة التي كانت فيها والتي رأيتها جامدة على الجدران وفي ردهات المعابد. ربما كانت الحياة وقتها كما هي الآن؛ بسيطة ويومية في معظمها، وربما كانت المشاهد العظيمة المجسدة هنا وهناك ملامح عابرة في حياة المصري اليومية، ولكن هذه المشاهد العابرة لم تعد موجودة، وكل ذلك الحب الذي بُنِيَ به الصرح تلو الصرح لم يعد موجودا. يمرّ الزائرون سريعا على المشهد تِلْو المشهد فيفغرون فيهم، ثم يعبرون هم أيضاً متلهفين على مشهد جديد. كلما توقفت لأملأ عيني وقلبي وعقلي من مشهد، محاولة أن أستوعب الأحداث والتفصيلات وأربطها بما رأيت وما أعرف، نظر لي الجميع شذرا مستحثينني على الإسراع مثلهم "حتى نرى كل شيء ونلحق بالباص".

ثم عدت من روما وفلورنسا وقد اختلطت عليّ المشاعر؛ هناك وجدْتُ تفاصيلَ تُلْهِبُ حواسِّي، وأجواءً وملامحَ من ذاكرة الطفولة الهاربة أود لو أنّي أعيشها من جديد، ولكن الإغراق في الحياة أخافني بقدر ما أنعشني. قد أملّ الجنة التي تُقَدِّمُها روما بعد عشر سنين، وقد حفِظْتُ تفاصيلها وفهِمْتُ رسائلها الخفية، فهل يمكن أن أوقن بوجود الجنة المصرية؟ هل هي حقا الجنة المثالية التي يصبح فيها الأهم هو أن تؤمن وتقرأ وتسمو بإدراكك، لا أن تشعر فقط؟ أخافني الإيمان بوجود تلك الجنة. أخافني أن لا تكون موجودة، وأنجذِب للشهوات فأنسى ادّعائاتي، وأنضم للعقلاء الذين لم يزهدوا الحياة بعد. أخافني أن فكرت في قدرتي على أن أتصالح مع شتاتي وأمتلك ناصية أموري. أخافني أن أُحب، وأن لا أُحب. يقولون أن الخطوة الأولى في النضج هي أن تكتشف ما تخاف، وقد كانت هاتان الرحلتان رحلتي متعة واكتشاف، فماذا بعد؟

لا زالت قصة الحب والاكتشاف في بدايتها إذاً، ولو أنني أعرف أن الحب العابر للمسافات لا يعيش طويلا، وأن الاكتشاف يحتاج المزيد من الشجاعة والمواجهة، ولكنّني عازمة على تكرار المحاولة، والاستزادة من الفهم. ربما لا يكون السحر مفقوداً بعد، وربما أجد طريقة للعبور إلى ذلك الماضي والعودة، علّني أجد نفسي، أو لا أجدها، وعلّني أفهم وأدرك وأوقن، أو أقتنع بعبثية المحاولة، فأستقر أخيراً.
 
نيل الأقصر (تصويري)


نهر التايبر (تصويري)

Monday, January 23, 2017

أطواق

بابص لفوق
وعايزة افوق
وحاسة ف كعبي ألف طوق
طوق يمين
طوق شمال
طوق كلبشني في الزمانات
كتف بكتف مع حكايات
قديمة، حاقدة، "ترّهات"
لكن أحقادي أكلتني
ولفظتني
سابتني دايرة في المتاهات
لا عارفة اتحرك بطوق وطوق
ولا قادرة اصدق اني هافوق
أنا بسّ قادرة
أبصّ لفوق

Wednesday, January 20, 2016

حِلِّي ضفايِرك

لي مع الضفيرة قصة طويلة، تبدأ هناك، في ذلك البلد العربي الذي نشأت فيه. في المدرسة، كان نصف شعري الأعلى دوما حبيس ذيل الحصان، ونصفه الأسفل متراصا في خجل حول نفسه، لا يجرؤ على الانطلاق في الهواء والتلاعب بخيالات الأولاد والبنات. كان دوما شعرا مؤدبا تتوارى خصلاته خلف بعضها، كما كنت أنا أتوارى خلف نفسي خائفة من الآخرين. كنت أقارن ملامحي البسيطة وملابسي البسيطة وشعري البسيط بالأخريات. كانت شعور زميلاتي دوما ضفائر لامعة ومهندمة، أحيانا تبدأ من مؤخرة الرأس وأحيانا تبدأ من قمته، أحيانا ضفيرة واحدة وأحيانا اثنان. لم تكن لتجد شعرة واحدة تشذّ عن الشكل الأنيق، وكانت "الفيونكات" المصنوعة من الساتان البراق الملون دوما هناك في آخر الضفائر لتضفي جوا لعوباً على الخصلات المنضبطة. كان اعتقادي حينئذ أن بعض البنات يولدن محظوظات هكذا: بشعر طويل مضفر وفيونكات ملونة. عندما ذهبت مرة إلى بيت صديقتي قبل الدوام الدراسي لنذهب معا إلى حفلة مدرسية، رأيتها لأول مرة بشعرها متحررا. كان مجعدا وكثيفا يكاد يملأ الفراغ كله، وتعجبت: هذه الضفائر ليست تعويذة سحرية تولد بها بعض البنات إذاً! هكذا إذاً يتحول شعر كهذا إلى ضفائر منمقة! في نهاية الأمر تعلمت أن أضفر شعري بنفسي. كانت ضفيرة عشوائية مثيرة للشفقة، وكانت دوما تساعد الخصلات على التواري خلف بعضها بشكل منظم أكثر، ولكني لم أتمكن أبداً من أن أخضع كل خصلة وظلت دوما بعض الخصلات مستعصية على النظام.
 
تمردت وقصصت شعري كثيرا، وفي كل مرة كنت أقصه فيها كان يجرؤ على أن يطول ويطول. ثم استسلمت وتركت شعري طويلا، وكنت أطلقه فقط في الحديقة وفي شرفة البيت وأمام الشباك. كان دوماً حبيساً، حتى عندما سافرت إلى كندا، وكلما رأيت الكنديات بشعورهن الشقراء المنسابة كالحرير تلتمع وتتطاير في الشمس، كان شعري يتوسل إليّ كي يرى الشمس ويشمّها، ويطير هو أيضا. كنت أوبّخه برفق طالبة منه أن يفهم المحاذير ويقدّر العواقب، ولكن الإلحاح كان يزداد؛ كان شعري يختنق كل يوم، وكنت أشفق عليه كل يوم. ثم في يوم صيفي جميل، قررت أن أقصّ شعري وأنتهي من إلحاحه الممضّ. ذهبت للكوافير الكندي الأشهر في كينجستون، وعندما جلست لأخبر العاملة عن الطول الذي أريد، وقالت لي: "شعرك جميل وكثيف!" فوجئت بي أقول لها: "اتركيه طويلا. قصي أطرافه فقط، ثم أعطني أجمل جلسة تزيين للشعر تجعله متموجا ومنطلقا."
 
لقد قامت تلك العاملة بعمل رائع. عندما انتهت من شعري، أمسكت الحجاب، ثم بدل أن أضعه على رأسي، لففته حول رقبتي، وخرجت.
 
هل ذكرت أنه كان يوماً صيفياً جميلاً؟
 
نعم. لقد حيتني الشمس بأجمل تحية، وعانقت خصلات شعري عناقا حاراً، وبدأ شعري يتحسس طريقه وسط نسمات الهواء، خجلا خائفا في البداية، ثم ازداد جذلاً مع كل خطوة أخطوها في اتجاه البحيرة. كلما جاءت نسمة هواء حياها في سعادة كان يخفق لها قلبي. كنت أخطو خائفة في البداية، ثم صرت أتقافز غير قادرة على احتواء ذلك الشعور الفياض بالحرية. وصلت إلى الحديقة المطلة على البحيرة الزرقاء الصافية، وكان الجو احتفاليا بديعاً؛ فرقة موسيقية تعزف ألحاناً مبهجة، تحلق الناس حولها يرقصون ويغنون. وقفت معهم أستمع، أغني، أصفق، وبعد لحظات لمحت فتاة تأخذ الصور للفرقة والحديقة والبحيرة، ثم تذهب لتجلس مع صديقتها. تملكني خاطر استحوذ على كل طاقتي النفسية للنصف ساعة المقبلة: أريد أن تأخذ تلك الفتاة لي صورة، أتذكر بها هذا اليوم.
 
أنا لا أطلب من الآخرين أبداً، حتى ولو كانوا أصدقاء، أن يلتقطوا لي صورة، وتتراوح الأسباب بين اللامنطقية المغرقة في الرثاء على النفس "أنا لست جميلة لأجرؤ على أن أعتقد أن صوري تستحق أن تؤخذ"، والأسباب الفنية البحتة "الصور الشخصية لا بد أن تعكس رؤية المصور لكون لحظة شخصية ما تستحق التسجيل، وإلا خرجت الصورة الشخصية مصطنعة ومبتورة". ربما تأملت أن يراني مصور محترف فيذهب عقله ويصر على أن يلتقط لي صورة، تماما كما يحدث في الأفلام الرخيصة :)

رميت كل هذا الهراء جانبا وتملكني إحساس أناني بحت هو أن أسجل تلك اللحظة التي ظننت أنها لن تتكرر، وأن أتجرأ لمرة واحدة فأطلب شيئا لنفسي وأقتنص فرصة بدل أن أمصمص شفتي تحسرا. أخذت خطوتين في اتجاه الفتاة وطلبت منها بصوت مرتجف أن تأخذ لي صورة، وكانت هي في منتهى اللطف ووجهتني للكيفية والمكان المناسب للصورة مبتسمة في حماس. كل ما دار في عقلي وأنا أقف مبتسمة لها بالمقابل هو "من أين جاءتني الجرأة لأفعل ما لم أفعله أبدا في حياتي وأجازف؟" ثم ضحكت ساخرة من نفسي أن يكون طلب التقاط صورة هو مجازفتي الأنانية الوحيدة في حياتي. جازفت قبلاً لأرضي الآخرين، ولم أسعد أبداً، بل وتسببت لعائلتي بالتعاسة مرات. انتبهت على صوت الفتاة وهي تقول: "بالمناسبة أنا أحب جدا لون قلم الشفاه "الروج" الذي تضعينه! إنه جميل جدا ولائق على بشرتك!" فابتسمت في سعادة وشكرتها، متذكرة كيف أنني في نوبة الجنون التي انتابتني وأنا خارجة من محل الكوافير أتقافز مع شعري، فاجأت نفسي بأن دخلت إلى صيدلية في طريقي لأشتري قلم حمرة جريء اللون، ووضعته عندما وصلت إلى البحيرة، ووقفت بكل جرأة أسأل فتاة كندية جميلة أن تأخذ لي صورة. هكذا صار عندي صور أتذكر بها هذه المغامرة. شكرت الفتاة مرة أخيرة، راغبة في أن أخبرها كم أسعدتني بمشاركتي لتلك اللحظات الاستثنائية في يومي. وعندما حان أخيرا وقت العودة للمنزل، جلست في ركن الحديقة ألملم شعري في كعكة كبيرة، وبينما أنا ألبس الحجاب، عزفت الفرقة أغنيتها الأخيرة، ولملم العازفون آلاتهم الموسيقية، وعم الصمت والسكون.
 
ظننت أني في ذلك اليوم أرضيت بعضا من شوق شعري للانطلاق، ولكن هيهات. الشعر الذي لفحته الشمس وعبث به الهواء وذاق طعم الحرية لم يكن ليستسلم بدون معركة أخيرة، مهما كان متعقلا ومدركا لكون الحرب خاسرة. لذا، قررت أن أذهب في رحلة أمنحه من خلالها فسحة الحرية الأخيرة قبل العودة. لم تكن الرحلة لساعة هذه المرة، وإنما كانت لثلاثة أيام كاملة في واحدة من أجمل مدن كندا. مشيت لساعات كثيرة في اليوم الأول، ومشيت لساعات كثيرة في اليوم الثاني، ومشيت لساعات كثيرة في اليوم الثالت. تولدت لدي طاقة خارقة للمشي طوال النهار والليل. في اليوم الثاني، قررت أن أتجرأ وأتحدى خوفي من المرتفعات وأصعد لأعلى برج ساعة شهير بالمدينة. من أين جاء كل هذا الجنون؟ّ! لست أدري، ولكنني قررت لحظتها أن أعقد سلاما مؤقتا مع الضفيرة، وأن أضفر شعري بشيء من ذلك الحب الأصيل الذي كنت أختزنه لابنتي تلك التي لم تأت. في تلك اللحظة أدركت أنني يمكن أن أتسامح مع الضفيرة كما أتسامح مع الخصلات المتمردة. انطلقت أقفز درجات سلم البرج خمسين في المرة الواحدة قبل أن آخذ نَفَسي لأستريح. صعدت مائتين وخمسين درجة، ولم تئن ركبتاي من الجهد، ولم أشعر بالتعب قدر ما شعرت بالبهجة. كنت وحدي فيما كان الآخرون مع أصدقاء وأحباء وأهل، ولكني لم أكن حزينة، ولا شعرت بالشفقة على نفسي. كنت حقا سعيدة عندما نظرت أخيرا إلى المدينة من أعلى نقطة في البرج. 



هل يُعقل أن يكون شعري في حريته قد أكسبني قوة جبارة كما قوة شمشون؟ ربما قصة شمشون وشعره هي حرفية وليست رمزية في نهاية الأمر. ربما كان كسري لحاجز واحد كسراُ تلقائيا لكل الحواجز. ربما لم يُخلق شعر المرأة ليظل حبيس الضفائر والحجاب، وربما لا يجب أن أعتبر الاثنين سجناً، ولو فقط من أجل أن أتعايش مع واقعي. ربما عليّ أن أتحرر من حلم الأمومة رغم علمي بجمال الحب الذي كنت سأحبه لابنتي، لأنه قد كان يمكن أن يتحول لسجن يخنقها عوضا عن أن يحررها، وكان يمكن أن يطلقها من عقالها فتكون حرة مجنونة في مجتمع لا يعترف بالحق في الحرية والجنون. كان يمكن لهذا الحب أيضا أن يجعل من ابنتي فتاة رائعة تعرف كيف توازن بين الحرية والجنون وبين النظام والانضباط، ولكني ربما لن أعلم أبدا، وقد تعلمت أن أقبل بهذا الاحتمال، وأتحرر من الحسرة على عدم حدوثه.
 
عندما عدت إلى غرفة الفندق في نهاية اليوم بعد مغامرة برج الساعة تلك، لم أغسل شعري، واستلقيت في سريري مع ذلك التعب اللذيذ الذي يبعث الخدر في الأطراف والحواس فلا تعود ترغب في الحركة. انتبهت إلى نفسي أشم في شعري لأول مرة في حياتي شذى الشمس والهواء والحدائق وضحكات الناس ممتزجين برائحة العرق. كم كانت الرائحة عبقة وحسيَة! ظللت أتشممها في شغف، عالمة أنني ربما لا أشمها مرة أخرى. أعتقد أن صانعي العطور لا بد أن يستخلصوا عطرا جديدا من الشعر الذي اختلط فيه العرق بالشمس بالهواء بالحدائق، بالانطلاق، بالبهجة، بالحرية. ربما أضع هكذا عطر في مغامرة قادمة، أركب فيها سيارة مكشوفة وأسمع أغاني لمحمد منير، وشعري يطلق أشرعته بالكامل ليقودني إلى البراح. أعتقد أنه من اللائق أن يكون اسم العطر: حرية.

 

Tuesday, January 19, 2016

حِلِّي ضفايِرك

قالت لي صديقتي بنفاذ صبر غير راضية عن الطريقة التي ضفرت بها شعر ابنتها الطويل: "ايه اللي بتعمليه ده؟! انتي تنفعي انتي؟!". كانت التكملة المتوقعة التي تردد صداها في عقلي "تنفعي أم؟".
 

حدث هذا الموقف منذ سنين.
 

لي مع الضفيرة قصة طويلة، تبدأ هناك، في ذلك البلد العربي الذي نشأت فيه. في المدرسة، كان نصف شعري الأعلى دوما حبيس ذيل الحصان، ونصفه الأسفل متراصا في خجل حول نفسه، لا يجرؤ على الانطلاق في الهواء والتلاعب بخيالات الأولاد والبنات. كان دوما شعرا مؤدبا تتوارى خصلاته خلف بعضها، كما كنت أنا أتوارى خلف نفسي خائفة من الآخرين. كنت أقارن ملامحي البسيطة وملابسي البسيطة وشعري البسيط بالأخريات. كانت شعور زميلاتي دوما ضفائر لامعة ومهندمة، أحيانا تبدأ من مؤخرة الرأس وأحيانا تبدأ من قمته، أحيانا ضفيرة واحدة وأحيانا اثنان. لم تكن لتجد شعرة واحدة تشذّ عن الشكل الأنيق، وكانت "الفيونكات" المصنوعة من الساتان البراق الملون دوما هناك في آخر الضفائر لتضفي جوا لعوباً على الخصلات المنضبطة. كان اعتقادي حينئذ أن بعض البنات يولدن محظوظات هكذا: بشعر طويل مضفر وفيونكات ملونة. عندما ذهبت مرة إلى بيت صديقتي قبل الدوام الدراسي لنذهب معا إلى حفلة مدرسية، رأيتها لأول مرة بشعرها متحررا. كان مجعدا وكثيفا يكاد يملأ الفراغ كله، وتعجبت: هذه الضفائر ليست تعويذة سحرية تولد بها بعض البنات إذاً! كيف يتحول شعر كهذا إلى ضفائر منمقة؟ من يصنع المعجزة التي اسمها الضفيرة؟ جلست الفتاة في حجر أمها، التي أمسكت بزمام ذلك الشعر المتمرد وبدأت في صبر تضفره وهي تغني لها أغنية. كل ما دار في بالي وقتها كان: "لقد جرؤت الفتاة أن تجلس في حجر أمها! وإذاً فالأمهات هن أصل السحر ومصدر التعويذة!". لم تضفر أمي لي شعري أبدا، ولم أجرؤ على أن أطلب منها ذلك أبداً. لم أجرؤ لمدة طويلة على أن أطلب منها كثيرا من الأشياء. في نهاية الأمر تعلمت أن أضفر شعري بنفسي. كانت ضفيرة عشوائية مثيرة للشفقة، وكانت دوما تساعد الخصلات على التواري خلف بعضها بشكل منظم أكثر، ولكني لم أتمكن أبداً من أن أخضع كل خصلة وظلت دوما بعض الخصلات مستعصية على النظام.
 

هكذا تشكّل أحد أكبر أحلامي؛ أن تكون لي في يوم من الأيام ابنة، أُجلسها على حجري، وأضفر شعرها بحب وأنا أغني. أسكب في كل خصلة حباً خالصاً؛ حباً غير منمق ولا منتظم؛ حباً تلقائيا متسامحا مع الخصلات المتفلتة؛ حباً لا يهتم بالقواعد اللائقة؛ حباً يطلق تلك الخصلات من عقالها حتى وهي حبيسة الضفائر؛ حباً لا يسأل الخصلات أن تتوارى من الناس. لم يكن الحب الذي سأحبّه لابنتي ليشبه اللّاحب الذي كان من نصيبي، ولا الحب المنضبط الذي كان من نصيب الفتيات الأخريات، إذ أنني وإن أبهرني ذلك الانضباط إلا أنني لم أكن أرى نفسي أهلا له.
 

عالمة أن الحلم بعيد وربما غير مقدر، جلست في ذلك اليوم وابنة صديقتي أمامي، وشعرها بين يدي. في تلك اللحظة ضفرت خصلاتها بكل ذلك الحب الذي كان حبيس مخيلتي، وفي اللحظة التالية تلقيت الصفعة على يديّ، والتذكرة بأن ما فعلته لا يصلح، وأنني ربما لا أصلح لعمل الضفائر. ربما القواعد الصارمة التي تُخضع الضفيرة بموجبها الخصلات المتمردة ليست مسألة مظهر، وإنما تعكس أحد أسس التربية السليمة للبنت ..
 

لم أنس تلك اللحظة، ولكني لم أحتفظ بها في ذاكرتي لآسف أو ألوم. ربما سألت نفسي مراراً عن الخطأ الذي ارتكبته. ربما كانت المسألة أن التربية والعناية بالأبناء والبنات أمور صعبة، وربما كان الأمر أن صديقتي تحب الكمال، وربما كان الأمر أن صديقتي تعتقد في عدم جدارة أي شخص آخر لأن يفعل أمرا من صميم اختصاصاتها، لكني أدركت وقتها أن الأمومة شعور أناني بحت ومخيف في بعض الأوقات. ذلك الحب الجارف خطر وقاسٍ بنفس القدر الذي يمنح به الأمان والرحمة. أما الشيء الآخر الذي حدث فهو أني كرهت الضفائر؛ تلك المنمقة التي كانت حلم طفولتي وصباي. الفعل الأمومي الذي طالما حلمت به وظننته حباً واحتواءً تحول في نظري إلى فعل سلطوي عنيف. الضفيرة في البيت هي كما الحجاب خارج البيت؛ صرت أرى كليهما سجناً صُمِّم ليتسلّط على شعري حتى ينصاع للنظام ولا يتطاير مستجيبا لمغازلة الهواء ولا يداعب خيالات الحالمين. وكان القرار: لا أحلام مضفرة بعد اليوم.

تمردت وقصصت شعري كثيرا، وفي كل مرة كنت أقصه فيها كان يجرؤ على أن يطول ويطول. ثم استسلمت وتركت شعري طويلا، وكنت أطلقه فقط في الحديقة وفي شرفة البيت وأمام الشباك. كان دوماً حبيساً، حتى عندما سافرت إلى كندا، وكلما رأيت الكنديات بشعورهن الشقراء المنسابة كالحرير تلتمع وتتطاير في الشمس، كان شعري يتوسل إلي كي يرى الشمس ويشمَها، ويطير هو أيضا. كنت أوبخه برفق طالبة منه أن يفهم المحاذير ويقدر العواقب، ولكن الإلحاح كان يزداد؛ كان شعري يختنق كل يوم، وكنت أشفق عليه كل يوم. ثم في يوم صيفي جميل، قررت أن أقصّ شعري وأنتهي من إلحاحه الممضّ. ذهبت للكوافير الكندي الأشهر في كينجستون، وعندما جلست لأخبر العاملة عن الطول الذي أريد، وقالت لي: "شعرك جميل وكثيف!" فوجئت بي أقول لها: "اتركيه طويلا. قصي أطرافه فقط، ثم أعطني أجمل جلسة تزيين للشعر تجعله متموجا ومنطلقا."
 

لقد قامت تلك العاملة بعمل رائع. عندما انتهت من شعري، أمسكت الحجاب، ثم بدل أن أضعه على رأسي، لففته حول رقبتي، وخرجت.
 
هل ذكرت أنه كان يوماً صيفياً جميلاً؟
 
نعم. لقد حيتني الشمس بأجمل تحية، وعانقت خصلات شعري عناقا حاراً، وبدأ شعري يتحسس طريقه وسط نسمات الهواء، خجلا خائفا في البداية، ثم ازداد جذلاً مع كل خطوة أخطوها في اتجاه البحيرة. كلما جاءت نسمة هواء حياها في سعادة كان يخفق لها قلبي. كنت أخطو خائفة في البداية، ثم صرت أتقافز غير قادرة على احتواء ذلك الشعور الفياض بالحرية. وصلت إلى الحديقة المطلة على البحيرة الزرقاء الصافية، وكان الجو احتفاليا بديعاً؛ فرقة موسيقية تعزف ألحاناً مبهجة، تحلق الناس حولها يرقصون ويغنون. وقفت معهم أستمع، أغني، أصفق، وبعد لحظات لمحت فتاة تأخذ الصور للفرقة والحديقة والبحيرة، ثم تذهب لتجلس مع صديقتها. تملكني خاطر استحوذ على كل طاقتي النفسية للنصف ساعة المقبلة: أريد أن تأخذ تلك الفتاة لي صورة، أتذكر بها هذا اليوم.
 
أنا لا أطلب من الآخرين أبداً، حتى ولو كانوا أصدقاء، أن يلتقطوا لي صورة، وتتراوح الأسباب بين اللامنطقية المغرقة في الرثاء على النفس "أنا لست جميلة لأجرؤ على أن أعتقد أن صوري تستحق أن تؤخذ"، والأسباب الفنية البحتة "الصور الشخصية لا بد أن تعكس رؤية المصور لكون لحظة شخصية ما تستحق التسجيل، وإلا خرجت الصورة الشخصية مصطنعة ومبتورة". ربما تأملت أن يراني مصور محترف فيذهب عقله ويصر على أن يلتقط لي صورة، تماما كما يحدث في الأفلام الرخيصة :)

رميت كل هذا الهراء جانبا وتملكني إحساس أناني بحت هو أن أسجل تلك اللحظة التي ظننت أنها لن تتكرر، وأن أتجرأ لمرة واحدة فأطلب شيئا لنفسي وأقتنص فرصة بدل أن أمصمص شفتي تحسرا. أخذت خطوتين في اتجاه الفتاة وطلبت منها بصوت مرتجف أن تأخذ لي صورة، وكانت هي في منتهى اللطف ووجهتني للكيفية والمكان المناسب للصورة مبتسمة في حماس. كل ما دار في عقلي وأنا أقف مبتسمة لها بالمقابل هو "من أين جاءتني الجرأة لأفعل ما لم أفعله أبدا في حياتي وأجازف؟" ثم ضحكت ساخرة من نفسي أن يكون طلب التقاط صورة هو مجازفتي الأنانية الوحيدة في حياتي. جازفت قبلاً لأرضي الآخرين، ولم أسعد أبداً، بل وتسببت لعائلتي بالتعاسة مرات. انتبهت على صوت الفتاة وهي تقول: "بالمناسبة أنا أحب جدا لون قلم الشفاه "الروج" الذي تضعينه! إنه جميل جدا ولائق على بشرتك!" فابتسمت في سعادة وشكرتها، متذكرة كيف أنني في نوبة الجنون التي انتابتني وأنا خارجة من محل الكوافير أتقافز مع شعري، فاجأت نفسي بأن دخلت إلى صيدلية في طريقي لأشتري قلم حمرة جريء اللون، ووضعته عندما وصلت إلى البحيرة، ووقفت بكل جرأة أسأل فتاة كندية جميلة أن تأخذ لي صورة. هكذا صار عندي صور أتذكر بها هذه المغامرة. شكرت الفتاة مرة أخيرة، راغبة في أن أخبرها كم أسعدتني بمشاركتي لتلك اللحظات الاستثنائية في يومي. وعندما حان أخيرا وقت العودة للمنزل، جلست في ركن الحديقة ألملم شعري في كعكة كبيرة، وبينما أنا ألبس الحجاب، عزفت الفرقة أغنيتها الأخيرة، ولملم العازفون آلاتهم الموسيقية، وعم الصمت والسكون.
 
ظننت أني في ذلك اليوم أرضيت بعضا من شوق شعري للانطلاق، ولكن هيهات. الشعر الذي لفحته الشمس وعبث به الهواء وذاق طعم الحرية لم يكن ليستسلم بدون معركة أخيرة، مهما كان متعقلا ومدركا لكون الحرب خاسرة. لذا، قررت أن أذهب في رحلة أمنحه من خلالها فسحة الحرية الأخيرة قبل العودة. لم تكن الرحلة لساعة هذه المرة، وإنما كانت لثلاثة أيام كاملة في واحدة من أجمل مدن كندا. مشيت لساعات كثيرة في اليوم الأول، ومشيت لساعات كثيرة في اليوم الثاني، ومشيت لساعات كثيرة في اليوم الثالت. تولدت لدي طاقة خارقة للمشي طوال النهار والليل. في اليوم الثاني، قررت أن أتجرأ وأتحدى خوفي من المرتفعات وأصعد لأعلى برج ساعة شهير بالمدينة. من أين جاء كل هذا الجنون؟ّ! لست أدري، ولكنني قررت لحظتها أن أعقد سلاما مؤقتا مع الضفيرة، وأن أضفر شعري بشيء من ذلك الحب الأصيل الذي كنت أختزنه لابنتي تلك التي لم تأت. في تلك اللحظة أدركت أنني يمكن أن أتسامح مع الضفيرة كما أتسامح مع الخصلات المتمردة. انطلقت أقفز درجات سلم البرج خمسين في المرة الواحدة قبل أن آخذ نَفَسي لأستريح. صعدت مائتين وخمسين درجة، ولم تئن ركبتاي من الجهد، ولم أشعر بالتعب قدر ما شعرت بالبهجة. كنت وحدي فيما كان الآخرون مع أصدقاء وأحباء وأهل، ولكني لم أكن حزينة، ولا شعرت بالشفقة على نفسي. كنت حقا سعيدة عندما نظرت أخيرا إلى المدينة من أعلى نقطة في البرج. 



هل يُعقل أن يكون شعري في حريته قد أكسبني قوة جبارة كما قوة شمشون؟ ربما قصة شمشون وشعره هي حرفية وليست رمزية في نهاية الأمر. ربما كان كسري لحاجز واحد كسراُ تلقائيا لكل الحواجز. ربما لم يُخلق شعر المرأة ليظل حبيس الضفائر والحجاب، وربما لا يجب أن أعتبر الاثنين سجناً، ولو فقط من أجل أن أتعايش مع واقعي. ربما عليّ أن أتحرر من حلم الأمومة رغم علمي بجمال الحب الذي كنت سأحبه لابنتي، لأنه قد كان يمكن أن يتحول لسجن يخنقها عوضا عن أن يحررها، وكان يمكن أن يطلقها من عقالها فتكون حرة مجنونة في مجتمع لا يعترف بالحق في الحرية والجنون. كان يمكن لهذا الحب أيضا أن يجعل من ابنتي فتاة رائعة تعرف كيف توازن بين الحرية والجنون وبين النظام والانضباط، ولكني ربما لن أعلم أبدا، وقد تعلمت أن أقبل بهذا الاحتمال، وأتحرر من الحسرة على عدم حدوثه.
 
عندما عدت إلى غرفة الفندق في نهاية اليوم بعد مغامرة برج الساعة تلك، لم أغسل شعري، واستلقيت في سريري مع ذلك التعب اللذيذ الذي يبعث الخدر في الأطراف والحواس فلا تعود ترغب في الحركة. انتبهت إلى نفسي أشم في شعري لأول مرة في حياتي شذى الشمس والهواء والحدائق وضحكات الناس ممتزجين برائحة العرق. كم كانت الرائحة عبقة وحسيَة! ظللت أتشممها في شغف، عالمة أنني ربما لا أشمها مرة أخرى. أعتقد أن صانعي العطور لا بد أن يستخلصوا عطرا جديدا من الشعر الذي اختلط فيه العرق بالشمس بالهواء بالحدائق، بالانطلاق، بالبهجة، بالحرية. ربما أضع هكذا عطر في مغامرة قادمة، أركب فيها سيارة مكشوفة وأسمع أغاني لمحمد منير، وشعري يطلق أشرعته بالكامل ليقودني إلى البراح. أعتقد أنه من اللائق أن يكون اسم العطر: حرية.

Wednesday, October 14, 2015

أغنيات الشغف

حلم لم يكتمل
كنت فيه أغني

بصوت جميل
يصدح في أرجاء مقهى صغير

أغنية شغف
وكل الأشياء تلبي من ورائي
أقف خلف منضدة عتيقة
وأمامي تغرق جنبات المكان في الصمت إلا من همس المطر
وعلى الجانب مني في ركن وقف رجل
تلمع عيناه في افتتان
بدا وكأنه يود أن يبتلع أغنيتي بين شفتيه
وكأن صوتي الذي ترنم بالغناء
بصّره بمعاني كل الأشياء
عندما أدركت ارتبكت
كوني لم أعتد استقبال الثناء الواله
ثم توقف الحلم، ثم وجدتني أغني
خائفة أغني
أنشودة مررها لي هو
رُسمِت حروفها المزخرفة في مربعات أنيقة
وانتظر؛ في عينيه مزيج من رجاء متلهف

وحزم يكاد أن يكون قاسيا
كان يراقب كيف ترتجف شفاهي
كيف تهمس باللحن سرا
يستنطقني أن أغنيها
كما كتبها هو، كما رسمها في خياله
كاملة المعاني، شاملة خلاصة الحكمة
لكني ارتبكت
كان في خيالي أغنية غواية أخرى وددت لو غنيتها
كنت أجهد في قراءة المكتوب
بين خوفي أن يعرف أنني ﻻ زلت "أفك خط" الحكمة
ﻻ زلت مبتدئة ﻻ تحفظ إلا أغنيات الشغف
وبين أمنيتي الساذجة أن أكون ملهمة المعاني
ارتعشت
خفت صوتي
ثم في نهاية الأمر سكتّ
تسمرت عيناي على حروف الأنشودة
تخاف أن تنظر حيث يقف هو، صامتا

ترجوه بصمت أن يعطيني الوقت لأفهم أكثر
هل كنت أظن حقا أنه سيقبل
أن أعبث بأنشودته الثمينة المنمقة
فأعاملها كمبتدئة مراهقة
وقفت في الركن جبانة
ألتمس العذر صامتة لذنب ما ارتكبته
أنني وإن كنت أفهم نظرية الغناء
وإن كنت أجيد الحديث عن الأسس المعقدة
فأنت إن وجدتني في الظلمة وحدي
ستسمعني أغني للعشق
أموت وأحيا في ذات اللحظة، كتلك القطة
وإن أربكتني بعينيك
ربما لن أحيا
وإن امتحنتني
ستجدني ربما تلميذة خائبة
يخفق قلبها المجنون
إن تلقت منك نظرات الرضا

ثم تسليك بعض الوقت بكلام في الفلسفة
من أجل مزيد من نظرات الرضا
فلا تنظر إليّ في الظلام
إن لم تكن محباً
ﻷغنيات مبتدئة عاشقة

Saturday, January 3, 2015

شبابيك

أول شباك ..


كان شباك أوضة المسافرين في بيتنا القديم في ليبيا. أفتكر وأنا لسه مكملتش أربع أو خمس سنين، كان لما أهلي يروحوا الشغل، يحطوني أنا وأختي هناك، ويقفلوا علينا .. مكانش في حضانات ولا كانت فكرة جليس الأطفال مطروحة. كنا نفضل في الأوضة دي، كل حاجة مقفولة علينا. المشهد الوحيد اللي أفتكره، كان طاقة صغيرة جدا بين الشباك المقفول والحيطة. كانت الطاقة الرفيعة دي دنيا بحالها بالنسبة لي .. ولإن قدام بيتنا بالضبط كانت المدرسة الإعدادي، كنت أفضل متسمرة قدام الطاقة دي، لا بني آدم يروح ولا بني آدم يجي، لحد ما يجي وقت خروج طلبة الإعدادي من المدرسة، وساعتها أفضل أتفرج على أفواج البنات والصبيان وهم طالعين، بمرايلهم الكحلي في أبيض وشراباتهم البيضا وجزمهم السودا وشنطتهم الملونة، بشعورهم المجدولة وضفايرهم الطويلة، بيضحكوا، بيتهامسوا، بيتكلموا، بيجروا ويتنططوا، ويتفرقوا يمين وشمال .. تهدا العاصفة، ويرجع الشارع ساكت، والبواب يقفل المدرسة، وأفضل أنا متعلقة بالفراغ اللي ورا الطاقة، لحد ما الأسر يتفك ..

فضلت المدرسة هي المكان الحلم، اللي تخيلت إني لما هاروحه هاتحرر، هاتحرك، هاتنطط، هاضحك، هاعرف كل الأسرار اللي بيتهامسوا بيها التلامذة، وهابقى جزء من الأسرار دي كمان، لكن كنت عارفة إني الوحيدة اللي لا هاروح يمين ولا شمال .. فضلت المدرسة هي الدنيا بالنسبة لي، لإني ماشفتش دنيا فيها ناس غيرها، ولما دخلتها، فضلت أطارد الصورة اللي شفتها، وحاولت أكون جزء من التفاصيل المبهرجة ولو على حساب اللي أنا فعلا حاسة إني عايزاه، ولو على حساب الناس الحقيقية اللي تستاهل. فضلت الصورة دي سراب بيشاغلني وعمري ما وصلت له، لإني انشغلت بالعناصر الساحرة اللي فيها على حساب العناصر المؤسسة ليها. الفهم ده جه متأخر قوي، بعد ما بطّل ينفع إني أدخل الصورة صح، لكن كل فهم وله ضرورة، وفايدة، ولو بعد حين.

تاني شباك ..


شباك أوضتي، اللي كنت بانام فيها مع أختي. كان الشباك وراه صندوق، كان هو دولابنا، وفوقه رف، كان فيه كتب. كنت طفلة دخلت الابتدائي وبقيت أعرف أقرا وأكتب. على الرف ده وتحت الكتب، خبيت أول جواب كتبته لربنا، باسأله فيه ياترى يعني إيه ربنا، وازاي أعرف إنه موجود. ورا الشباك كنت أشوف حوش البيت المكشوف. كنت أشوف لمحة من السما؛ طاقة تانية بس أكبر شوية. كنت أشوف كرمة العنب محاوطانا داير ما يدور، كإنها سور بدل السور. لما كنت أفتح الشباك كنت باعرف إن الصيف بدأ؛ في الشتا كان الشباك يفضل دايما مقفول، واللي وراه مجهول. لما كان يجي الصيف، كنت أعمل رف الشباك تسريحة، بقيت بنت بقى وباسرح الشعور وأبص في المراية. كنت باحلم إن في يوم هاتيجي ماما تضفر لي من شعري ضفاير طويلة بتلمع زي ما كنت باشوف زمايلي بيتعمل لهم. كنت أفرد بطانة قماش، وعلى حديد الشباك أسند مراية مكسورة، وحوالين المراية مستلزمات بناتي بسيطة. كنت أحب قوي أمر بصوابعي على أشكال الفيرفورچيه القديم اللي في الشباك. كل مرة كانت تفاصيل الأشكال بتبهرني، دواير ومنحنيات، وهي هي نفس الدواير والمنحنيات مش بتتغير، لكن كان في لمسي ليها حاجة مريحة ومخدرة للأعصاب. يمكن في أسباب بيئية أو معمارية أو حتى خصوصية ثقافية لمدن المتوسط تخلي شعوبه تفضّل المنحنيات الناعمة البسيطة دي على الأشكال الفخمة المدببة اللي باشوفها في شغل الحديد عند بلدان تانية. معرفش، لكن المحصلة إني عمري ما اعتبرت حديد الشباك ده سجن، رغم إنه يشبه حديد السجن، وفضلت دايما أشوفه ملمح جمال فين ما كان. المهم إني بعد كده التهيت عن الشباك، وبقيت أبص في المراية. أبص في المراية من غير ما أفهم يعني إيه جمال ولا يعني إيه حلاوة؛ كنت بس أشوف نفسي، وأكلم نفسي، وبعدين أعاتب نفسي. لما بدء الناس من حواليا يقولوا على "أمل" بنت صاحبة ماما إنها حلوة وزي القمر، احترت .. ليه أنا كمان مش حلوة وزي القمر؟ "ليه يا مرايتي محدش بيقول لي إني قمر؟" تسكت المراية. ياترى المراية هي اللي وحشة علشان كده مش شايفاني ولا بترد عليا؟ لما كنت أتمعن فيها، كنت أحس إن ملامحي بتفهم، لكن مش بتسحر. قدام المراية لا ضفرت شعري، ولا مريت بإيدي في شعري أتلمس منحنياته زي ما كنت باعمل في الشباك الحديد، ولا حد نبهني إن شعري حلو من غير ضفاير؛ ناعم ومتموج زي تموجات حديد الشباك. ماتعبتش نفسي كتير من وقتها مع المراية، وبقيت أتجاهلها، وأتجاهل معاها الشباك .. راح من غير ذنب ضحية ال vanity الطفولية، مع إن تفاصيله كانت حلوة، وبسطتني.


تالت شباك ..


نفس الشباك الأولاني، بس المرة دي كنت في إعدادي خلاص، عرفت الأسرار، وضحكت على الناس وفهمتهم إني باضحك معاهم، والناس ضحكت عليا وكانت بتفهمني إنها بتضحك معايا. حاولت أصاحب الناس اللي اتخيلت إن معاهم مفاتيح الفهم، وأتاري المفاتيح معايا من البداية. لا جدلت شعري ولا ضفرته، ولا اتنططت ولا جريت، وطبعا لا رحت يمين ولا شمال. من الباب للباب كانت رحلتي قصيرة، بعرض الشارع، وكانت في نفس الوقت طويلة، بطول الأيام والليالي اللي كنت أتعذب فيها بين الوحدة في الصيف بعيد عن المدرسة والوحدة في الشتا جوا المدرسة بين التلامذة "اللامعة". لما بقيت في الإعدادي، كانت المنطقة بدأت تتغير، وبدأ يسهر جنب بيتنا السكارى. في ليلة، كنت باذاكر في أوضة المسافرين، وكان الشباك موارب. سمعت أصوات ناس بره، بيهمسوا ويضحكوا، قلت لِمّي عزالك يا بنت وبلاها مذاكرة الليلة. لميت عزالي وبدأت أتحرك، لكن كنت لازم أعدي من جنب الشباك. اتحركت بالراحة علشان مايحسوش بيا، لكن في اللحظة اللي كنت فيها قدام الشباك بالضبط اتمدت إيد سودا زي الصاروخ فتحت الشيش وعدت من بين الحديد. اتجمّدت من الرعب، لكني خرست، وفضلت الإيد تلعب في الهوا زي الحيّة وتحاول تتجاوز دواير الحديد، لحد ما يئس صاحبها وسحبها، قمت في حركة بهلوانية قفلت الشيش الخشب وتربسته، وجريت أهرب من الرعب الأسود ..

من يومها بطلت أدخل الأوضة اياها بعد المغرب، وبقيت أشوفها وكإن ساكنها شيطان .. لحد الآن لما أشوف دواير الفيرفورچيه الحديد في أي مكان أبقى عايزة آخدها بالحضن، وأتتبع تفاصيلها بصوابعي زي زمان، وأقول لها "شكرا ليكي".

رابع شباك ..


شباك أوضة ماما وبابا في شقتنا القديمة في مصر. الأوضة دي كلها على بعضها كانت سحر بالنسبة لي. كانت مكتملة العناصر؛ تسريحة محترمة، ماتشبهش مرايتي المكسورة بأي حال، وعطور وروايح مترصصة على التسريحة، وبروشات إكسسوار بفصوص؛ جزم بكعوب عالية مرمية تحت السرير؛ أباچورات مزركشة عليها رسمة لِبِنْت لعوب بتتكلم في التليفون؛ دولاب كبير من اللي بجد، مش صندوق؛ شيفونيرة عليها أنتيكات وتحت إزازها كروت عليها صور بنات من أيام السبعينات؛ وكل أثاث الأوضة عليه رسومات ومنحنيات، فكرتني بمنحنيات حديد الشباك. كنت وأنا صغيرة أنتهز فرصة إن أهلي ينزلوا لأي غرض، وأجري على الأوضة، وأفتح كل الپرفانات وأشمها، وألبس كل البروشات، وأمشي بصوابعي على تفاصيل كل الرسومات والمنحنيات، وأفتح الدولاب وأشم ريحة الهدوم، وألبس الكعب العالي وأتكعبل فيه، بس عمري ما كنت أقرب على البنت اللعوب. كل مرة كنت أسترق فيها لحظات في الأوضة دي أبقى كإني بازور مقام فيه سر الأسرار. لكن أكتر حاجة هوستني هي الستاير اللي محاوطة الشباك؛ كانت ستاير تقيلة وحمرا، وكانت بالنسبة لي فخيمة، وكان نادر ما الشباك اللي وراها يتفتح. في مرة اتجرأت وفتحت الشباك، تخيلت إني ممكن ألاقي سر جديد أو جنة مفقودة، لكن اكتشفت إن الشباك بيطل على منور صغير، وقدامه على طول بلكونة جارتنا في العمارة، اللي كانت لما تبقى مفتوحة باشوف من وراها عفش شقتهم. كانت أول مرة أعرف يعني إيه "تتلصص من الشباك"، وأول مرة أعرف يعني إيه "منور"، وأول مرة أحس إن أوضة ماما بطلت تبقى سحرية، لإن جارتنا عندها حاجات زي هنا، وأول مرة أنتبه فيها لإني باهتم باللامع والمزخرف، وماشوفش التعاسة والقسوة اللي ممكن تكون متدارية وراه. كان أول شباك مايكونش وراه معنى، أو يمكن المعنى كان إنه الشباك اللي عرفني إن مفيش سحر؛ كإنه المفتاح اللي فك طلاسم التعويذة.

من يومها بطلت أجري على التفاصيل وأنبهر، لكن لازلت أحب الستاير الحمرا التقيلة، وجو المخادع الفيكتوري، ورسومات الخشب العتيقة، والأنتيكات، وندمت أشد الندم إن البنت اللعوب اللي كانت على شاپوه الأباچورات ضاعت لما نقلنا بيتنا الجديد. يمكن دي كانت الحاجة الوحيدة الحقيقية في الأوضة.

خامس شباك ..


وخلاص آخر شباك؛ بعده كل الشبابيك بقت تشبه بعضها. حتى الشباك ده كان يشبه شباك قديم. الشباك ده كان في شقتي في كندا؛ شباك مودرن إزاز، مفيهوش حديد ولا منحنيات، بس طبقتين إزاز علشان يعزلوا البرد، وكلهم في ذات الوقت برود وجمود. الشباك ده أول شباك شفت منه الثلج بيتساقط ويتكوم طبقة فوق طبقة قدامي. منظر حلو، لكني كنت بطلت أتسحر خلاص. والشباك ده برضه شفت من وراه تاني راجل سكران يتعرض لي شخصيا. ده كان في ليلة من ذات الليالي الباردة، وساعة الفجرية بدأ غُنا يدخل في الحلم اللي كنت باحلمه، لحد ما صوت الغُنا يعلى ويبقى مُلِحّ. اتنبهت وقمت "أُصِيخ" السمع علشان أفهم أنا باحلم والا في حد فعلا بيغني، وسمعته، بيغني وبينده عليا من ورا الشباك. في ثانية كنت نطيت من مكاني ومسكت موبايلي وبقيت بره الشقة. كنت هاجري لكن قلت ماهو هايجري ورايا، رجعت خطفت المفاتيح وقفلت الباب وجريت أكلم صاحب البناية، قال لي كلمي الشرطة، وكلمت الشرطة، وكلمت عبد الحميد لإنه كان جاري في نفس البناية. فضل عبد الحميد واقف معايا لحد ما البوليس جه. لما راحوا يشوفوا الراجل ده إيه، لقوه واقع في غيبوبة؛ واحد سكران مش من البلد، وحظي إنه تاه وحظه جابه قدام شباكي علشان يغني، ويكرهني أنا في الشبابيك إلى الأبد. 

ميزة الحادثة اللي ارتبطت بالشباك ده، إنها كانت أول مرة أُجبَر فيها إني أتعامل مع موقف صعب زي ده بعقلانية وبدون انفعالات الميلودراما المصرية. صاحب البيت، مايك، جالي تاني يوم يطمئن عليا، وقال لي "أنا مارديتش عليكي بإني أكلم البوليس أو أنزل شخصيا لإنها مشكلتك ولازم تعرفي تتعاملي معاها بنفسك." حقيقي يومها فرق معايا هدوء أعصابه وحرصه على إني أتصرف باستقلالية أكتر وأبطّل شغل الدراما عمال على بطال. فرق معايا كمان هدوء عبد الحميد ومساندته، اللي كانت الجسر الصلب اللي مهّد لي الانتقال السلس بين التفاعلين الدراماتيكي والعقلاني.


في نهاية الأمر، بطلت أحب أبص من جوه شبابيك بعينها، وأستنى اللي براها يبسطني أو يخوفني، أو يلهمني حتى إني أحلم بطاقة نور أو إفراج. دلوقت أنا خرجت، بقيت حرة، وأفضّل دلوقت إني أتفرج من الشارع على الشبابيك، وأسأل نفسي: "ياترى كم من أسرار وحكايات وأحلام وتطلعات ومخاوف مخبية وراها كل دي الشبابيك؟" حتى لما رحت اسكندرية وبصيت من شباك الأوتيل على البحر، كان البحر والبراح في البؤرة. ساعتها اتأكدت إن الشباك فقد كل قدرة على إنه يطوق منظوري ويحدده؛ تاه في الخلفية، وأصبح هو والظلمة واحد.

منير كان خايف من اللي بره الشبابيك، لكن الدنيا بقت بالنسبة لي كلها شبابيك، وفهمت إن زمان محدش كان شايف فين مكاني علشان كنت ورا الشبابيك، علشان كده لازم أطلع، وأفتكر الصورة الأولى وأجري، أتنطط، أضحك، أتعلم، وأبطل أتوِهم بالسراب، والأهم: أبطل أخاف.


Template by:
Free Blog Templates