Wednesday, January 20, 2016

حِلِّي ضفايِرك

لي مع الضفيرة قصة طويلة، تبدأ هناك، في ذلك البلد العربي الذي نشأت فيه. في المدرسة، كان نصف شعري الأعلى دوما حبيس ذيل الحصان، ونصفه الأسفل متراصا في خجل حول نفسه، لا يجرؤ على الانطلاق في الهواء والتلاعب بخيالات الأولاد والبنات. كان دوما شعرا مؤدبا تتوارى خصلاته خلف بعضها، كما كنت أنا أتوارى خلف نفسي خائفة من الآخرين. كنت أقارن ملامحي البسيطة وملابسي البسيطة وشعري البسيط بالأخريات. كانت شعور زميلاتي دوما ضفائر لامعة ومهندمة، أحيانا تبدأ من مؤخرة الرأس وأحيانا تبدأ من قمته، أحيانا ضفيرة واحدة وأحيانا اثنان. لم تكن لتجد شعرة واحدة تشذّ عن الشكل الأنيق، وكانت "الفيونكات" المصنوعة من الساتان البراق الملون دوما هناك في آخر الضفائر لتضفي جوا لعوباً على الخصلات المنضبطة. كان اعتقادي حينئذ أن بعض البنات يولدن محظوظات هكذا: بشعر طويل مضفر وفيونكات ملونة. عندما ذهبت مرة إلى بيت صديقتي قبل الدوام الدراسي لنذهب معا إلى حفلة مدرسية، رأيتها لأول مرة بشعرها متحررا. كان مجعدا وكثيفا يكاد يملأ الفراغ كله، وتعجبت: هذه الضفائر ليست تعويذة سحرية تولد بها بعض البنات إذاً! هكذا إذاً يتحول شعر كهذا إلى ضفائر منمقة! في نهاية الأمر تعلمت أن أضفر شعري بنفسي. كانت ضفيرة عشوائية مثيرة للشفقة، وكانت دوما تساعد الخصلات على التواري خلف بعضها بشكل منظم أكثر، ولكني لم أتمكن أبداً من أن أخضع كل خصلة وظلت دوما بعض الخصلات مستعصية على النظام.
 
تمردت وقصصت شعري كثيرا، وفي كل مرة كنت أقصه فيها كان يجرؤ على أن يطول ويطول. ثم استسلمت وتركت شعري طويلا، وكنت أطلقه فقط في الحديقة وفي شرفة البيت وأمام الشباك. كان دوماً حبيساً، حتى عندما سافرت إلى كندا، وكلما رأيت الكنديات بشعورهن الشقراء المنسابة كالحرير تلتمع وتتطاير في الشمس، كان شعري يتوسل إليّ كي يرى الشمس ويشمّها، ويطير هو أيضا. كنت أوبّخه برفق طالبة منه أن يفهم المحاذير ويقدّر العواقب، ولكن الإلحاح كان يزداد؛ كان شعري يختنق كل يوم، وكنت أشفق عليه كل يوم. ثم في يوم صيفي جميل، قررت أن أقصّ شعري وأنتهي من إلحاحه الممضّ. ذهبت للكوافير الكندي الأشهر في كينجستون، وعندما جلست لأخبر العاملة عن الطول الذي أريد، وقالت لي: "شعرك جميل وكثيف!" فوجئت بي أقول لها: "اتركيه طويلا. قصي أطرافه فقط، ثم أعطني أجمل جلسة تزيين للشعر تجعله متموجا ومنطلقا."
 
لقد قامت تلك العاملة بعمل رائع. عندما انتهت من شعري، أمسكت الحجاب، ثم بدل أن أضعه على رأسي، لففته حول رقبتي، وخرجت.
 
هل ذكرت أنه كان يوماً صيفياً جميلاً؟
 
نعم. لقد حيتني الشمس بأجمل تحية، وعانقت خصلات شعري عناقا حاراً، وبدأ شعري يتحسس طريقه وسط نسمات الهواء، خجلا خائفا في البداية، ثم ازداد جذلاً مع كل خطوة أخطوها في اتجاه البحيرة. كلما جاءت نسمة هواء حياها في سعادة كان يخفق لها قلبي. كنت أخطو خائفة في البداية، ثم صرت أتقافز غير قادرة على احتواء ذلك الشعور الفياض بالحرية. وصلت إلى الحديقة المطلة على البحيرة الزرقاء الصافية، وكان الجو احتفاليا بديعاً؛ فرقة موسيقية تعزف ألحاناً مبهجة، تحلق الناس حولها يرقصون ويغنون. وقفت معهم أستمع، أغني، أصفق، وبعد لحظات لمحت فتاة تأخذ الصور للفرقة والحديقة والبحيرة، ثم تذهب لتجلس مع صديقتها. تملكني خاطر استحوذ على كل طاقتي النفسية للنصف ساعة المقبلة: أريد أن تأخذ تلك الفتاة لي صورة، أتذكر بها هذا اليوم.
 
أنا لا أطلب من الآخرين أبداً، حتى ولو كانوا أصدقاء، أن يلتقطوا لي صورة، وتتراوح الأسباب بين اللامنطقية المغرقة في الرثاء على النفس "أنا لست جميلة لأجرؤ على أن أعتقد أن صوري تستحق أن تؤخذ"، والأسباب الفنية البحتة "الصور الشخصية لا بد أن تعكس رؤية المصور لكون لحظة شخصية ما تستحق التسجيل، وإلا خرجت الصورة الشخصية مصطنعة ومبتورة". ربما تأملت أن يراني مصور محترف فيذهب عقله ويصر على أن يلتقط لي صورة، تماما كما يحدث في الأفلام الرخيصة :)

رميت كل هذا الهراء جانبا وتملكني إحساس أناني بحت هو أن أسجل تلك اللحظة التي ظننت أنها لن تتكرر، وأن أتجرأ لمرة واحدة فأطلب شيئا لنفسي وأقتنص فرصة بدل أن أمصمص شفتي تحسرا. أخذت خطوتين في اتجاه الفتاة وطلبت منها بصوت مرتجف أن تأخذ لي صورة، وكانت هي في منتهى اللطف ووجهتني للكيفية والمكان المناسب للصورة مبتسمة في حماس. كل ما دار في عقلي وأنا أقف مبتسمة لها بالمقابل هو "من أين جاءتني الجرأة لأفعل ما لم أفعله أبدا في حياتي وأجازف؟" ثم ضحكت ساخرة من نفسي أن يكون طلب التقاط صورة هو مجازفتي الأنانية الوحيدة في حياتي. جازفت قبلاً لأرضي الآخرين، ولم أسعد أبداً، بل وتسببت لعائلتي بالتعاسة مرات. انتبهت على صوت الفتاة وهي تقول: "بالمناسبة أنا أحب جدا لون قلم الشفاه "الروج" الذي تضعينه! إنه جميل جدا ولائق على بشرتك!" فابتسمت في سعادة وشكرتها، متذكرة كيف أنني في نوبة الجنون التي انتابتني وأنا خارجة من محل الكوافير أتقافز مع شعري، فاجأت نفسي بأن دخلت إلى صيدلية في طريقي لأشتري قلم حمرة جريء اللون، ووضعته عندما وصلت إلى البحيرة، ووقفت بكل جرأة أسأل فتاة كندية جميلة أن تأخذ لي صورة. هكذا صار عندي صور أتذكر بها هذه المغامرة. شكرت الفتاة مرة أخيرة، راغبة في أن أخبرها كم أسعدتني بمشاركتي لتلك اللحظات الاستثنائية في يومي. وعندما حان أخيرا وقت العودة للمنزل، جلست في ركن الحديقة ألملم شعري في كعكة كبيرة، وبينما أنا ألبس الحجاب، عزفت الفرقة أغنيتها الأخيرة، ولملم العازفون آلاتهم الموسيقية، وعم الصمت والسكون.
 
ظننت أني في ذلك اليوم أرضيت بعضا من شوق شعري للانطلاق، ولكن هيهات. الشعر الذي لفحته الشمس وعبث به الهواء وذاق طعم الحرية لم يكن ليستسلم بدون معركة أخيرة، مهما كان متعقلا ومدركا لكون الحرب خاسرة. لذا، قررت أن أذهب في رحلة أمنحه من خلالها فسحة الحرية الأخيرة قبل العودة. لم تكن الرحلة لساعة هذه المرة، وإنما كانت لثلاثة أيام كاملة في واحدة من أجمل مدن كندا. مشيت لساعات كثيرة في اليوم الأول، ومشيت لساعات كثيرة في اليوم الثاني، ومشيت لساعات كثيرة في اليوم الثالت. تولدت لدي طاقة خارقة للمشي طوال النهار والليل. في اليوم الثاني، قررت أن أتجرأ وأتحدى خوفي من المرتفعات وأصعد لأعلى برج ساعة شهير بالمدينة. من أين جاء كل هذا الجنون؟ّ! لست أدري، ولكنني قررت لحظتها أن أعقد سلاما مؤقتا مع الضفيرة، وأن أضفر شعري بشيء من ذلك الحب الأصيل الذي كنت أختزنه لابنتي تلك التي لم تأت. في تلك اللحظة أدركت أنني يمكن أن أتسامح مع الضفيرة كما أتسامح مع الخصلات المتمردة. انطلقت أقفز درجات سلم البرج خمسين في المرة الواحدة قبل أن آخذ نَفَسي لأستريح. صعدت مائتين وخمسين درجة، ولم تئن ركبتاي من الجهد، ولم أشعر بالتعب قدر ما شعرت بالبهجة. كنت وحدي فيما كان الآخرون مع أصدقاء وأحباء وأهل، ولكني لم أكن حزينة، ولا شعرت بالشفقة على نفسي. كنت حقا سعيدة عندما نظرت أخيرا إلى المدينة من أعلى نقطة في البرج. 



هل يُعقل أن يكون شعري في حريته قد أكسبني قوة جبارة كما قوة شمشون؟ ربما قصة شمشون وشعره هي حرفية وليست رمزية في نهاية الأمر. ربما كان كسري لحاجز واحد كسراُ تلقائيا لكل الحواجز. ربما لم يُخلق شعر المرأة ليظل حبيس الضفائر والحجاب، وربما لا يجب أن أعتبر الاثنين سجناً، ولو فقط من أجل أن أتعايش مع واقعي. ربما عليّ أن أتحرر من حلم الأمومة رغم علمي بجمال الحب الذي كنت سأحبه لابنتي، لأنه قد كان يمكن أن يتحول لسجن يخنقها عوضا عن أن يحررها، وكان يمكن أن يطلقها من عقالها فتكون حرة مجنونة في مجتمع لا يعترف بالحق في الحرية والجنون. كان يمكن لهذا الحب أيضا أن يجعل من ابنتي فتاة رائعة تعرف كيف توازن بين الحرية والجنون وبين النظام والانضباط، ولكني ربما لن أعلم أبدا، وقد تعلمت أن أقبل بهذا الاحتمال، وأتحرر من الحسرة على عدم حدوثه.
 
عندما عدت إلى غرفة الفندق في نهاية اليوم بعد مغامرة برج الساعة تلك، لم أغسل شعري، واستلقيت في سريري مع ذلك التعب اللذيذ الذي يبعث الخدر في الأطراف والحواس فلا تعود ترغب في الحركة. انتبهت إلى نفسي أشم في شعري لأول مرة في حياتي شذى الشمس والهواء والحدائق وضحكات الناس ممتزجين برائحة العرق. كم كانت الرائحة عبقة وحسيَة! ظللت أتشممها في شغف، عالمة أنني ربما لا أشمها مرة أخرى. أعتقد أن صانعي العطور لا بد أن يستخلصوا عطرا جديدا من الشعر الذي اختلط فيه العرق بالشمس بالهواء بالحدائق، بالانطلاق، بالبهجة، بالحرية. ربما أضع هكذا عطر في مغامرة قادمة، أركب فيها سيارة مكشوفة وأسمع أغاني لمحمد منير، وشعري يطلق أشرعته بالكامل ليقودني إلى البراح. أعتقد أنه من اللائق أن يكون اسم العطر: حرية.

 

Tuesday, January 19, 2016

حِلِّي ضفايِرك

قالت لي صديقتي بنفاذ صبر غير راضية عن الطريقة التي ضفرت بها شعر ابنتها الطويل: "ايه اللي بتعمليه ده؟! انتي تنفعي انتي؟!". كانت التكملة المتوقعة التي تردد صداها في عقلي "تنفعي أم؟".
 

حدث هذا الموقف منذ سنين.
 

لي مع الضفيرة قصة طويلة، تبدأ هناك، في ذلك البلد العربي الذي نشأت فيه. في المدرسة، كان نصف شعري الأعلى دوما حبيس ذيل الحصان، ونصفه الأسفل متراصا في خجل حول نفسه، لا يجرؤ على الانطلاق في الهواء والتلاعب بخيالات الأولاد والبنات. كان دوما شعرا مؤدبا تتوارى خصلاته خلف بعضها، كما كنت أنا أتوارى خلف نفسي خائفة من الآخرين. كنت أقارن ملامحي البسيطة وملابسي البسيطة وشعري البسيط بالأخريات. كانت شعور زميلاتي دوما ضفائر لامعة ومهندمة، أحيانا تبدأ من مؤخرة الرأس وأحيانا تبدأ من قمته، أحيانا ضفيرة واحدة وأحيانا اثنان. لم تكن لتجد شعرة واحدة تشذّ عن الشكل الأنيق، وكانت "الفيونكات" المصنوعة من الساتان البراق الملون دوما هناك في آخر الضفائر لتضفي جوا لعوباً على الخصلات المنضبطة. كان اعتقادي حينئذ أن بعض البنات يولدن محظوظات هكذا: بشعر طويل مضفر وفيونكات ملونة. عندما ذهبت مرة إلى بيت صديقتي قبل الدوام الدراسي لنذهب معا إلى حفلة مدرسية، رأيتها لأول مرة بشعرها متحررا. كان مجعدا وكثيفا يكاد يملأ الفراغ كله، وتعجبت: هذه الضفائر ليست تعويذة سحرية تولد بها بعض البنات إذاً! كيف يتحول شعر كهذا إلى ضفائر منمقة؟ من يصنع المعجزة التي اسمها الضفيرة؟ جلست الفتاة في حجر أمها، التي أمسكت بزمام ذلك الشعر المتمرد وبدأت في صبر تضفره وهي تغني لها أغنية. كل ما دار في بالي وقتها كان: "لقد جرؤت الفتاة أن تجلس في حجر أمها! وإذاً فالأمهات هن أصل السحر ومصدر التعويذة!". لم تضفر أمي لي شعري أبدا، ولم أجرؤ على أن أطلب منها ذلك أبداً. لم أجرؤ لمدة طويلة على أن أطلب منها كثيرا من الأشياء. في نهاية الأمر تعلمت أن أضفر شعري بنفسي. كانت ضفيرة عشوائية مثيرة للشفقة، وكانت دوما تساعد الخصلات على التواري خلف بعضها بشكل منظم أكثر، ولكني لم أتمكن أبداً من أن أخضع كل خصلة وظلت دوما بعض الخصلات مستعصية على النظام.
 

هكذا تشكّل أحد أكبر أحلامي؛ أن تكون لي في يوم من الأيام ابنة، أُجلسها على حجري، وأضفر شعرها بحب وأنا أغني. أسكب في كل خصلة حباً خالصاً؛ حباً غير منمق ولا منتظم؛ حباً تلقائيا متسامحا مع الخصلات المتفلتة؛ حباً لا يهتم بالقواعد اللائقة؛ حباً يطلق تلك الخصلات من عقالها حتى وهي حبيسة الضفائر؛ حباً لا يسأل الخصلات أن تتوارى من الناس. لم يكن الحب الذي سأحبّه لابنتي ليشبه اللّاحب الذي كان من نصيبي، ولا الحب المنضبط الذي كان من نصيب الفتيات الأخريات، إذ أنني وإن أبهرني ذلك الانضباط إلا أنني لم أكن أرى نفسي أهلا له.
 

عالمة أن الحلم بعيد وربما غير مقدر، جلست في ذلك اليوم وابنة صديقتي أمامي، وشعرها بين يدي. في تلك اللحظة ضفرت خصلاتها بكل ذلك الحب الذي كان حبيس مخيلتي، وفي اللحظة التالية تلقيت الصفعة على يديّ، والتذكرة بأن ما فعلته لا يصلح، وأنني ربما لا أصلح لعمل الضفائر. ربما القواعد الصارمة التي تُخضع الضفيرة بموجبها الخصلات المتمردة ليست مسألة مظهر، وإنما تعكس أحد أسس التربية السليمة للبنت ..
 

لم أنس تلك اللحظة، ولكني لم أحتفظ بها في ذاكرتي لآسف أو ألوم. ربما سألت نفسي مراراً عن الخطأ الذي ارتكبته. ربما كانت المسألة أن التربية والعناية بالأبناء والبنات أمور صعبة، وربما كان الأمر أن صديقتي تحب الكمال، وربما كان الأمر أن صديقتي تعتقد في عدم جدارة أي شخص آخر لأن يفعل أمرا من صميم اختصاصاتها، لكني أدركت وقتها أن الأمومة شعور أناني بحت ومخيف في بعض الأوقات. ذلك الحب الجارف خطر وقاسٍ بنفس القدر الذي يمنح به الأمان والرحمة. أما الشيء الآخر الذي حدث فهو أني كرهت الضفائر؛ تلك المنمقة التي كانت حلم طفولتي وصباي. الفعل الأمومي الذي طالما حلمت به وظننته حباً واحتواءً تحول في نظري إلى فعل سلطوي عنيف. الضفيرة في البيت هي كما الحجاب خارج البيت؛ صرت أرى كليهما سجناً صُمِّم ليتسلّط على شعري حتى ينصاع للنظام ولا يتطاير مستجيبا لمغازلة الهواء ولا يداعب خيالات الحالمين. وكان القرار: لا أحلام مضفرة بعد اليوم.

تمردت وقصصت شعري كثيرا، وفي كل مرة كنت أقصه فيها كان يجرؤ على أن يطول ويطول. ثم استسلمت وتركت شعري طويلا، وكنت أطلقه فقط في الحديقة وفي شرفة البيت وأمام الشباك. كان دوماً حبيساً، حتى عندما سافرت إلى كندا، وكلما رأيت الكنديات بشعورهن الشقراء المنسابة كالحرير تلتمع وتتطاير في الشمس، كان شعري يتوسل إلي كي يرى الشمس ويشمَها، ويطير هو أيضا. كنت أوبخه برفق طالبة منه أن يفهم المحاذير ويقدر العواقب، ولكن الإلحاح كان يزداد؛ كان شعري يختنق كل يوم، وكنت أشفق عليه كل يوم. ثم في يوم صيفي جميل، قررت أن أقصّ شعري وأنتهي من إلحاحه الممضّ. ذهبت للكوافير الكندي الأشهر في كينجستون، وعندما جلست لأخبر العاملة عن الطول الذي أريد، وقالت لي: "شعرك جميل وكثيف!" فوجئت بي أقول لها: "اتركيه طويلا. قصي أطرافه فقط، ثم أعطني أجمل جلسة تزيين للشعر تجعله متموجا ومنطلقا."
 

لقد قامت تلك العاملة بعمل رائع. عندما انتهت من شعري، أمسكت الحجاب، ثم بدل أن أضعه على رأسي، لففته حول رقبتي، وخرجت.
 
هل ذكرت أنه كان يوماً صيفياً جميلاً؟
 
نعم. لقد حيتني الشمس بأجمل تحية، وعانقت خصلات شعري عناقا حاراً، وبدأ شعري يتحسس طريقه وسط نسمات الهواء، خجلا خائفا في البداية، ثم ازداد جذلاً مع كل خطوة أخطوها في اتجاه البحيرة. كلما جاءت نسمة هواء حياها في سعادة كان يخفق لها قلبي. كنت أخطو خائفة في البداية، ثم صرت أتقافز غير قادرة على احتواء ذلك الشعور الفياض بالحرية. وصلت إلى الحديقة المطلة على البحيرة الزرقاء الصافية، وكان الجو احتفاليا بديعاً؛ فرقة موسيقية تعزف ألحاناً مبهجة، تحلق الناس حولها يرقصون ويغنون. وقفت معهم أستمع، أغني، أصفق، وبعد لحظات لمحت فتاة تأخذ الصور للفرقة والحديقة والبحيرة، ثم تذهب لتجلس مع صديقتها. تملكني خاطر استحوذ على كل طاقتي النفسية للنصف ساعة المقبلة: أريد أن تأخذ تلك الفتاة لي صورة، أتذكر بها هذا اليوم.
 
أنا لا أطلب من الآخرين أبداً، حتى ولو كانوا أصدقاء، أن يلتقطوا لي صورة، وتتراوح الأسباب بين اللامنطقية المغرقة في الرثاء على النفس "أنا لست جميلة لأجرؤ على أن أعتقد أن صوري تستحق أن تؤخذ"، والأسباب الفنية البحتة "الصور الشخصية لا بد أن تعكس رؤية المصور لكون لحظة شخصية ما تستحق التسجيل، وإلا خرجت الصورة الشخصية مصطنعة ومبتورة". ربما تأملت أن يراني مصور محترف فيذهب عقله ويصر على أن يلتقط لي صورة، تماما كما يحدث في الأفلام الرخيصة :)

رميت كل هذا الهراء جانبا وتملكني إحساس أناني بحت هو أن أسجل تلك اللحظة التي ظننت أنها لن تتكرر، وأن أتجرأ لمرة واحدة فأطلب شيئا لنفسي وأقتنص فرصة بدل أن أمصمص شفتي تحسرا. أخذت خطوتين في اتجاه الفتاة وطلبت منها بصوت مرتجف أن تأخذ لي صورة، وكانت هي في منتهى اللطف ووجهتني للكيفية والمكان المناسب للصورة مبتسمة في حماس. كل ما دار في عقلي وأنا أقف مبتسمة لها بالمقابل هو "من أين جاءتني الجرأة لأفعل ما لم أفعله أبدا في حياتي وأجازف؟" ثم ضحكت ساخرة من نفسي أن يكون طلب التقاط صورة هو مجازفتي الأنانية الوحيدة في حياتي. جازفت قبلاً لأرضي الآخرين، ولم أسعد أبداً، بل وتسببت لعائلتي بالتعاسة مرات. انتبهت على صوت الفتاة وهي تقول: "بالمناسبة أنا أحب جدا لون قلم الشفاه "الروج" الذي تضعينه! إنه جميل جدا ولائق على بشرتك!" فابتسمت في سعادة وشكرتها، متذكرة كيف أنني في نوبة الجنون التي انتابتني وأنا خارجة من محل الكوافير أتقافز مع شعري، فاجأت نفسي بأن دخلت إلى صيدلية في طريقي لأشتري قلم حمرة جريء اللون، ووضعته عندما وصلت إلى البحيرة، ووقفت بكل جرأة أسأل فتاة كندية جميلة أن تأخذ لي صورة. هكذا صار عندي صور أتذكر بها هذه المغامرة. شكرت الفتاة مرة أخيرة، راغبة في أن أخبرها كم أسعدتني بمشاركتي لتلك اللحظات الاستثنائية في يومي. وعندما حان أخيرا وقت العودة للمنزل، جلست في ركن الحديقة ألملم شعري في كعكة كبيرة، وبينما أنا ألبس الحجاب، عزفت الفرقة أغنيتها الأخيرة، ولملم العازفون آلاتهم الموسيقية، وعم الصمت والسكون.
 
ظننت أني في ذلك اليوم أرضيت بعضا من شوق شعري للانطلاق، ولكن هيهات. الشعر الذي لفحته الشمس وعبث به الهواء وذاق طعم الحرية لم يكن ليستسلم بدون معركة أخيرة، مهما كان متعقلا ومدركا لكون الحرب خاسرة. لذا، قررت أن أذهب في رحلة أمنحه من خلالها فسحة الحرية الأخيرة قبل العودة. لم تكن الرحلة لساعة هذه المرة، وإنما كانت لثلاثة أيام كاملة في واحدة من أجمل مدن كندا. مشيت لساعات كثيرة في اليوم الأول، ومشيت لساعات كثيرة في اليوم الثاني، ومشيت لساعات كثيرة في اليوم الثالت. تولدت لدي طاقة خارقة للمشي طوال النهار والليل. في اليوم الثاني، قررت أن أتجرأ وأتحدى خوفي من المرتفعات وأصعد لأعلى برج ساعة شهير بالمدينة. من أين جاء كل هذا الجنون؟ّ! لست أدري، ولكنني قررت لحظتها أن أعقد سلاما مؤقتا مع الضفيرة، وأن أضفر شعري بشيء من ذلك الحب الأصيل الذي كنت أختزنه لابنتي تلك التي لم تأت. في تلك اللحظة أدركت أنني يمكن أن أتسامح مع الضفيرة كما أتسامح مع الخصلات المتمردة. انطلقت أقفز درجات سلم البرج خمسين في المرة الواحدة قبل أن آخذ نَفَسي لأستريح. صعدت مائتين وخمسين درجة، ولم تئن ركبتاي من الجهد، ولم أشعر بالتعب قدر ما شعرت بالبهجة. كنت وحدي فيما كان الآخرون مع أصدقاء وأحباء وأهل، ولكني لم أكن حزينة، ولا شعرت بالشفقة على نفسي. كنت حقا سعيدة عندما نظرت أخيرا إلى المدينة من أعلى نقطة في البرج. 



هل يُعقل أن يكون شعري في حريته قد أكسبني قوة جبارة كما قوة شمشون؟ ربما قصة شمشون وشعره هي حرفية وليست رمزية في نهاية الأمر. ربما كان كسري لحاجز واحد كسراُ تلقائيا لكل الحواجز. ربما لم يُخلق شعر المرأة ليظل حبيس الضفائر والحجاب، وربما لا يجب أن أعتبر الاثنين سجناً، ولو فقط من أجل أن أتعايش مع واقعي. ربما عليّ أن أتحرر من حلم الأمومة رغم علمي بجمال الحب الذي كنت سأحبه لابنتي، لأنه قد كان يمكن أن يتحول لسجن يخنقها عوضا عن أن يحررها، وكان يمكن أن يطلقها من عقالها فتكون حرة مجنونة في مجتمع لا يعترف بالحق في الحرية والجنون. كان يمكن لهذا الحب أيضا أن يجعل من ابنتي فتاة رائعة تعرف كيف توازن بين الحرية والجنون وبين النظام والانضباط، ولكني ربما لن أعلم أبدا، وقد تعلمت أن أقبل بهذا الاحتمال، وأتحرر من الحسرة على عدم حدوثه.
 
عندما عدت إلى غرفة الفندق في نهاية اليوم بعد مغامرة برج الساعة تلك، لم أغسل شعري، واستلقيت في سريري مع ذلك التعب اللذيذ الذي يبعث الخدر في الأطراف والحواس فلا تعود ترغب في الحركة. انتبهت إلى نفسي أشم في شعري لأول مرة في حياتي شذى الشمس والهواء والحدائق وضحكات الناس ممتزجين برائحة العرق. كم كانت الرائحة عبقة وحسيَة! ظللت أتشممها في شغف، عالمة أنني ربما لا أشمها مرة أخرى. أعتقد أن صانعي العطور لا بد أن يستخلصوا عطرا جديدا من الشعر الذي اختلط فيه العرق بالشمس بالهواء بالحدائق، بالانطلاق، بالبهجة، بالحرية. ربما أضع هكذا عطر في مغامرة قادمة، أركب فيها سيارة مكشوفة وأسمع أغاني لمحمد منير، وشعري يطلق أشرعته بالكامل ليقودني إلى البراح. أعتقد أنه من اللائق أن يكون اسم العطر: حرية.

Wednesday, October 14, 2015

أغنيات الشغف

حلم لم يكتمل
كنت فيه أغني

بصوت جميل
يصدح في أرجاء مقهى صغير

أغنية شغف
وكل الأشياء تلبي من ورائي
أقف خلف منضدة عتيقة
وأمامي تغرق جنبات المكان في الصمت إلا من همس المطر
وعلى الجانب مني في ركن وقف رجل
تلمع عيناه في افتتان
بدا وكأنه يود أن يبتلع أغنيتي بين شفتيه
وكأن صوتي الذي ترنم بالغناء
بصّره بمعاني كل الأشياء
عندما أدركت ارتبكت
كوني لم أعتد استقبال الثناء الواله
ثم توقف الحلم، ثم وجدتني أغني
خائفة أغني
أنشودة مررها لي هو
رُسمِت حروفها المزخرفة في مربعات أنيقة
وانتظر؛ في عينيه مزيج من رجاء متلهف

وحزم يكاد أن يكون قاسيا
كان يراقب كيف ترتجف شفاهي
كيف تهمس باللحن سرا
يستنطقني أن أغنيها
كما كتبها هو، كما رسمها في خياله
كاملة المعاني، شاملة خلاصة الحكمة
لكني ارتبكت
كان في خيالي أغنية غواية أخرى وددت لو غنيتها
كنت أجهد في قراءة المكتوب
بين خوفي أن يعرف أنني ﻻ زلت "أفك خط" الحكمة
ﻻ زلت مبتدئة ﻻ تحفظ إلا أغنيات الشغف
وبين أمنيتي الساذجة أن أكون ملهمة المعاني
ارتعشت
خفت صوتي
ثم في نهاية الأمر سكتّ
تسمرت عيناي على حروف الأنشودة
تخاف أن تنظر حيث يقف هو، صامتا

ترجوه بصمت أن يعطيني الوقت لأفهم أكثر
هل كنت أظن حقا أنه سيقبل
أن أعبث بأنشودته الثمينة المنمقة
فأعاملها كمبتدئة مراهقة
وقفت في الركن جبانة
ألتمس العذر صامتة لذنب ما ارتكبته
أنني وإن كنت أفهم نظرية الغناء
وإن كنت أجيد الحديث عن الأسس المعقدة
فأنت إن وجدتني في الظلمة وحدي
ستسمعني أغني للعشق
أموت وأحيا في ذات اللحظة، كتلك القطة
وإن أربكتني بعينيك
ربما لن أحيا
وإن امتحنتني
ستجدني ربما تلميذة خائبة
يخفق قلبها المجنون
إن تلقت منك نظرات الرضا

ثم تسليك بعض الوقت بكلام في الفلسفة
من أجل مزيد من نظرات الرضا
فلا تنظر إليّ في الظلام
إن لم تكن محباً
ﻷغنيات مبتدئة عاشقة

Saturday, January 3, 2015

شبابيك

أول شباك ..


كان شباك أوضة المسافرين في بيتنا القديم في ليبيا. أفتكر وأنا لسه مكملتش أربع أو خمس سنين، كان لما أهلي يروحوا الشغل، يحطوني أنا وأختي هناك، ويقفلوا علينا .. مكانش في حضانات ولا كانت فكرة جليس الأطفال مطروحة. كنا نفضل في الأوضة دي، كل حاجة مقفولة علينا. المشهد الوحيد اللي أفتكره، كان طاقة صغيرة جدا بين الشباك المقفول والحيطة. كانت الطاقة الرفيعة دي دنيا بحالها بالنسبة لي .. ولإن قدام بيتنا بالضبط كانت المدرسة الإعدادي، كنت أفضل متسمرة قدام الطاقة دي، لا بني آدم يروح ولا بني آدم يجي، لحد ما يجي وقت خروج طلبة الإعدادي من المدرسة، وساعتها أفضل أتفرج على أفواج البنات والصبيان وهم طالعين، بمرايلهم الكحلي في أبيض وشراباتهم البيضا وجزمهم السودا وشنطتهم الملونة، بشعورهم المجدولة وضفايرهم الطويلة، بيضحكوا، بيتهامسوا، بيتكلموا، بيجروا ويتنططوا، ويتفرقوا يمين وشمال .. تهدا العاصفة، ويرجع الشارع ساكت، والبواب يقفل المدرسة، وأفضل أنا متعلقة بالفراغ اللي ورا الطاقة، لحد ما الأسر يتفك ..

فضلت المدرسة هي المكان الحلم، اللي تخيلت إني لما هاروحه هاتحرر، هاتحرك، هاتنطط، هاضحك، هاعرف كل الأسرار اللي بيتهامسوا بيها التلامذة، وهابقى جزء من الأسرار دي كمان، لكن كنت عارفة إني الوحيدة اللي لا هاروح يمين ولا شمال .. فضلت المدرسة هي الدنيا بالنسبة لي، لإني ماشفتش دنيا فيها ناس غيرها، ولما دخلتها، فضلت أطارد الصورة اللي شفتها، وحاولت أكون جزء من التفاصيل المبهرجة ولو على حساب اللي أنا فعلا حاسة إني عايزاه، ولو على حساب الناس الحقيقية اللي تستاهل. فضلت الصورة دي سراب بيشاغلني وعمري ما وصلت له، لإني انشغلت بالعناصر الساحرة اللي فيها على حساب العناصر المؤسسة ليها. الفهم ده جه متأخر قوي، بعد ما بطّل ينفع إني أدخل الصورة صح، لكن كل فهم وله ضرورة، وفايدة، ولو بعد حين.

تاني شباك ..


شباك أوضتي، اللي كنت بانام فيها مع أختي. كان الشباك وراه صندوق، كان هو دولابنا، وفوقه رف، كان فيه كتب. كنت طفلة دخلت الابتدائي وبقيت أعرف أقرا وأكتب. على الرف ده وتحت الكتب، خبيت أول جواب كتبته لربنا، باسأله فيه ياترى يعني إيه ربنا، وازاي أعرف إنه موجود. ورا الشباك كنت أشوف حوش البيت المكشوف. كنت أشوف لمحة من السما؛ طاقة تانية بس أكبر شوية. كنت أشوف كرمة العنب محاوطانا داير ما يدور، كإنها سور بدل السور. لما كنت أفتح الشباك كنت باعرف إن الصيف بدأ؛ في الشتا كان الشباك يفضل دايما مقفول، واللي وراه مجهول. لما كان يجي الصيف، كنت أعمل رف الشباك تسريحة، بقيت بنت بقى وباسرح الشعور وأبص في المراية. كنت باحلم إن في يوم هاتيجي ماما تضفر لي من شعري ضفاير طويلة بتلمع زي ما كنت باشوف زمايلي بيتعمل لهم. كنت أفرد بطانة قماش، وعلى حديد الشباك أسند مراية مكسورة، وحوالين المراية مستلزمات بناتي بسيطة. كنت أحب قوي أمر بصوابعي على أشكال الفيرفورچيه القديم اللي في الشباك. كل مرة كانت تفاصيل الأشكال بتبهرني، دواير ومنحنيات، وهي هي نفس الدواير والمنحنيات مش بتتغير، لكن كان في لمسي ليها حاجة مريحة ومخدرة للأعصاب. يمكن في أسباب بيئية أو معمارية أو حتى خصوصية ثقافية لمدن المتوسط تخلي شعوبه تفضّل المنحنيات الناعمة البسيطة دي على الأشكال الفخمة المدببة اللي باشوفها في شغل الحديد عند بلدان تانية. معرفش، لكن المحصلة إني عمري ما اعتبرت حديد الشباك ده سجن، رغم إنه يشبه حديد السجن، وفضلت دايما أشوفه ملمح جمال فين ما كان. المهم إني بعد كده التهيت عن الشباك، وبقيت أبص في المراية. أبص في المراية من غير ما أفهم يعني إيه جمال ولا يعني إيه حلاوة؛ كنت بس أشوف نفسي، وأكلم نفسي، وبعدين أعاتب نفسي. لما بدء الناس من حواليا يقولوا على "أمل" بنت صاحبة ماما إنها حلوة وزي القمر، احترت .. ليه أنا كمان مش حلوة وزي القمر؟ "ليه يا مرايتي محدش بيقول لي إني قمر؟" تسكت المراية. ياترى المراية هي اللي وحشة علشان كده مش شايفاني ولا بترد عليا؟ لما كنت أتمعن فيها، كنت أحس إن ملامحي بتفهم، لكن مش بتسحر. قدام المراية لا ضفرت شعري، ولا مريت بإيدي في شعري أتلمس منحنياته زي ما كنت باعمل في الشباك الحديد، ولا حد نبهني إن شعري حلو من غير ضفاير؛ ناعم ومتموج زي تموجات حديد الشباك. ماتعبتش نفسي كتير من وقتها مع المراية، وبقيت أتجاهلها، وأتجاهل معاها الشباك .. راح من غير ذنب ضحية ال vanity الطفولية، مع إن تفاصيله كانت حلوة، وبسطتني.


تالت شباك ..


نفس الشباك الأولاني، بس المرة دي كنت في إعدادي خلاص، عرفت الأسرار، وضحكت على الناس وفهمتهم إني باضحك معاهم، والناس ضحكت عليا وكانت بتفهمني إنها بتضحك معايا. حاولت أصاحب الناس اللي اتخيلت إن معاهم مفاتيح الفهم، وأتاري المفاتيح معايا من البداية. لا جدلت شعري ولا ضفرته، ولا اتنططت ولا جريت، وطبعا لا رحت يمين ولا شمال. من الباب للباب كانت رحلتي قصيرة، بعرض الشارع، وكانت في نفس الوقت طويلة، بطول الأيام والليالي اللي كنت أتعذب فيها بين الوحدة في الصيف بعيد عن المدرسة والوحدة في الشتا جوا المدرسة بين التلامذة "اللامعة". لما بقيت في الإعدادي، كانت المنطقة بدأت تتغير، وبدأ يسهر جنب بيتنا السكارى. في ليلة، كنت باذاكر في أوضة المسافرين، وكان الشباك موارب. سمعت أصوات ناس بره، بيهمسوا ويضحكوا، قلت لِمّي عزالك يا بنت وبلاها مذاكرة الليلة. لميت عزالي وبدأت أتحرك، لكن كنت لازم أعدي من جنب الشباك. اتحركت بالراحة علشان مايحسوش بيا، لكن في اللحظة اللي كنت فيها قدام الشباك بالضبط اتمدت إيد سودا زي الصاروخ فتحت الشيش وعدت من بين الحديد. اتجمّدت من الرعب، لكني خرست، وفضلت الإيد تلعب في الهوا زي الحيّة وتحاول تتجاوز دواير الحديد، لحد ما يئس صاحبها وسحبها، قمت في حركة بهلوانية قفلت الشيش الخشب وتربسته، وجريت أهرب من الرعب الأسود ..

من يومها بطلت أدخل الأوضة اياها بعد المغرب، وبقيت أشوفها وكإن ساكنها شيطان .. لحد الآن لما أشوف دواير الفيرفورچيه الحديد في أي مكان أبقى عايزة آخدها بالحضن، وأتتبع تفاصيلها بصوابعي زي زمان، وأقول لها "شكرا ليكي".

رابع شباك ..


شباك أوضة ماما وبابا في شقتنا القديمة في مصر. الأوضة دي كلها على بعضها كانت سحر بالنسبة لي. كانت مكتملة العناصر؛ تسريحة محترمة، ماتشبهش مرايتي المكسورة بأي حال، وعطور وروايح مترصصة على التسريحة، وبروشات إكسسوار بفصوص؛ جزم بكعوب عالية مرمية تحت السرير؛ أباچورات مزركشة عليها رسمة لِبِنْت لعوب بتتكلم في التليفون؛ دولاب كبير من اللي بجد، مش صندوق؛ شيفونيرة عليها أنتيكات وتحت إزازها كروت عليها صور بنات من أيام السبعينات؛ وكل أثاث الأوضة عليه رسومات ومنحنيات، فكرتني بمنحنيات حديد الشباك. كنت وأنا صغيرة أنتهز فرصة إن أهلي ينزلوا لأي غرض، وأجري على الأوضة، وأفتح كل الپرفانات وأشمها، وألبس كل البروشات، وأمشي بصوابعي على تفاصيل كل الرسومات والمنحنيات، وأفتح الدولاب وأشم ريحة الهدوم، وألبس الكعب العالي وأتكعبل فيه، بس عمري ما كنت أقرب على البنت اللعوب. كل مرة كنت أسترق فيها لحظات في الأوضة دي أبقى كإني بازور مقام فيه سر الأسرار. لكن أكتر حاجة هوستني هي الستاير اللي محاوطة الشباك؛ كانت ستاير تقيلة وحمرا، وكانت بالنسبة لي فخيمة، وكان نادر ما الشباك اللي وراها يتفتح. في مرة اتجرأت وفتحت الشباك، تخيلت إني ممكن ألاقي سر جديد أو جنة مفقودة، لكن اكتشفت إن الشباك بيطل على منور صغير، وقدامه على طول بلكونة جارتنا في العمارة، اللي كانت لما تبقى مفتوحة باشوف من وراها عفش شقتهم. كانت أول مرة أعرف يعني إيه "تتلصص من الشباك"، وأول مرة أعرف يعني إيه "منور"، وأول مرة أحس إن أوضة ماما بطلت تبقى سحرية، لإن جارتنا عندها حاجات زي هنا، وأول مرة أنتبه فيها لإني باهتم باللامع والمزخرف، وماشوفش التعاسة والقسوة اللي ممكن تكون متدارية وراه. كان أول شباك مايكونش وراه معنى، أو يمكن المعنى كان إنه الشباك اللي عرفني إن مفيش سحر؛ كإنه المفتاح اللي فك طلاسم التعويذة.

من يومها بطلت أجري على التفاصيل وأنبهر، لكن لازلت أحب الستاير الحمرا التقيلة، وجو المخادع الفيكتوري، ورسومات الخشب العتيقة، والأنتيكات، وندمت أشد الندم إن البنت اللعوب اللي كانت على شاپوه الأباچورات ضاعت لما نقلنا بيتنا الجديد. يمكن دي كانت الحاجة الوحيدة الحقيقية في الأوضة.

خامس شباك ..


وخلاص آخر شباك؛ بعده كل الشبابيك بقت تشبه بعضها. حتى الشباك ده كان يشبه شباك قديم. الشباك ده كان في شقتي في كندا؛ شباك مودرن إزاز، مفيهوش حديد ولا منحنيات، بس طبقتين إزاز علشان يعزلوا البرد، وكلهم في ذات الوقت برود وجمود. الشباك ده أول شباك شفت منه الثلج بيتساقط ويتكوم طبقة فوق طبقة قدامي. منظر حلو، لكني كنت بطلت أتسحر خلاص. والشباك ده برضه شفت من وراه تاني راجل سكران يتعرض لي شخصيا. ده كان في ليلة من ذات الليالي الباردة، وساعة الفجرية بدأ غُنا يدخل في الحلم اللي كنت باحلمه، لحد ما صوت الغُنا يعلى ويبقى مُلِحّ. اتنبهت وقمت "أُصِيخ" السمع علشان أفهم أنا باحلم والا في حد فعلا بيغني، وسمعته، بيغني وبينده عليا من ورا الشباك. في ثانية كنت نطيت من مكاني ومسكت موبايلي وبقيت بره الشقة. كنت هاجري لكن قلت ماهو هايجري ورايا، رجعت خطفت المفاتيح وقفلت الباب وجريت أكلم صاحب البناية، قال لي كلمي الشرطة، وكلمت الشرطة، وكلمت عبد الحميد لإنه كان جاري في نفس البناية. فضل عبد الحميد واقف معايا لحد ما البوليس جه. لما راحوا يشوفوا الراجل ده إيه، لقوه واقع في غيبوبة؛ واحد سكران مش من البلد، وحظي إنه تاه وحظه جابه قدام شباكي علشان يغني، ويكرهني أنا في الشبابيك إلى الأبد. 

ميزة الحادثة اللي ارتبطت بالشباك ده، إنها كانت أول مرة أُجبَر فيها إني أتعامل مع موقف صعب زي ده بعقلانية وبدون انفعالات الميلودراما المصرية. صاحب البيت، مايك، جالي تاني يوم يطمئن عليا، وقال لي "أنا مارديتش عليكي بإني أكلم البوليس أو أنزل شخصيا لإنها مشكلتك ولازم تعرفي تتعاملي معاها بنفسك." حقيقي يومها فرق معايا هدوء أعصابه وحرصه على إني أتصرف باستقلالية أكتر وأبطّل شغل الدراما عمال على بطال. فرق معايا كمان هدوء عبد الحميد ومساندته، اللي كانت الجسر الصلب اللي مهّد لي الانتقال السلس بين التفاعلين الدراماتيكي والعقلاني.


في نهاية الأمر، بطلت أحب أبص من جوه شبابيك بعينها، وأستنى اللي براها يبسطني أو يخوفني، أو يلهمني حتى إني أحلم بطاقة نور أو إفراج. دلوقت أنا خرجت، بقيت حرة، وأفضّل دلوقت إني أتفرج من الشارع على الشبابيك، وأسأل نفسي: "ياترى كم من أسرار وحكايات وأحلام وتطلعات ومخاوف مخبية وراها كل دي الشبابيك؟" حتى لما رحت اسكندرية وبصيت من شباك الأوتيل على البحر، كان البحر والبراح في البؤرة. ساعتها اتأكدت إن الشباك فقد كل قدرة على إنه يطوق منظوري ويحدده؛ تاه في الخلفية، وأصبح هو والظلمة واحد.

منير كان خايف من اللي بره الشبابيك، لكن الدنيا بقت بالنسبة لي كلها شبابيك، وفهمت إن زمان محدش كان شايف فين مكاني علشان كنت ورا الشبابيك، علشان كده لازم أطلع، وأفتكر الصورة الأولى وأجري، أتنطط، أضحك، أتعلم، وأبطل أتوِهم بالسراب، والأهم: أبطل أخاف.


Monday, December 29, 2014

مكاشفات النور

في النور بهجة. 

وكل ما اشتدت الظلمة، ازدادت عندي بهجة النور.

O radiant Dark! O darkly fostered ray!
Thou hast a joy too deep for shallow Day.
~George Eliot, The Spanish Gypsy

أنا اتولدت لأب سَهِّير. لما كنا عايشين في ليبيا، في بيتنا اللي كان له حوش سقفه مفتوح للسما على طول، كنت أوعى عليه في ليالي الصيف وهو واخد كرسي وقاعد بره في الحوش بعد ما كلنا ندخل ننام. سيجارة ورا سيجارة تتشرب، وصمت. كل البيت كان ينام، وأفضل أنا أبص له في جلسته اللي كانت تمتد بالساعات أحاول أفهم. ياترى بيفكر في إيه؟ لما كبرت شوية اتجرأت وبقيت أطلع أقعد معاه. صمت. نفضل احنا الاتنين ساكتين، لا هو يسأل، ولا يقول لي ادخلي نامي، ولا أنا أتجرأ وأسأل "بتفكر في إيه يا بابا؟ إيه السحر اللي في الليل يخليك تفضل سهران ليلة ورا ليلة ماتزهقش؟" في الأول كنت أفضل ساكتة، وأمسك أنفاسي علشان مازعجش الصمت ويضطر يقول لي امشي، لكن مع الوقت بدأ الليل يبقى بتاعي؛ يجتذبني بسكونه وأشباحه. كنت أبص في السما الصافية، وأكتشف إن الدنيا مش ظلمة؛ إن النور بيفيض علينا، وإن النجوم بتتحرك في السما؛ بتلف حوالينا وبترقص. مكنتش أحب القمر، وكنت أهرب من الليالي اللي القمر فيها يكون ظاهر، لكني كنت مهووسة بالنجوم؛ بأشكالها ودرجات لمعانها. كنت لما أطول التأمل في نجم معين وألاقيه فجأة بيلمع أحس إني عجبته، إنه بيغمز لي ويقول لي "أنا واخد بالي من اهتمامك، ومبسوط." ساعات كنت أسيب أبويا يسهر على كرسيه مع سجايره، وأطلع أنا على السلم الخشب اللي كان يودينا على سطح البيت، وأقعد على السور، وأكشف السما كلها قدامي، من غير حيطان ولا ورق كرمة العنب اللي كان محاوط الحوش. كنت أرسم بخيالي أشكال من النجوم اللي كانت بتلمع لي، وكانت أشهر مجموعة أفضل أرسمها بعينيا طول اللي هي مجموعة الدب القطبي، اللي معرفتش إن ده اسمها غير بعد كده بسنين.


وقتها عمر الليل ما ارتبط عندي بالكآبة، وعمر السور ما ارتبط بالخوف من المرتفعات. الكآبة عرفتها بالنهار، مع قسوة الذل ولسعة الحرمان اللي بيشوفها الغريب. لكن الليل كان ملجأ وملاذ، أسرح فيه بخيالي، وأكون متأكدة فيه إن في حاجة بتحبني (النجوم). كان الوقت الوحيد في اليوم اللي كنت أبقى فيه حرة؛ حرة إني أطلع لفوق، وأتخيل، وألف مع النجوم وهي بتلف. حرة إني أسكت، ومع ذلك الكون كله يسمع أنا عايزة أقول إيه. النهار كان صخب، وتظاهر بالقوة واللامبالاة قصاد الإهانة والتجريح والضرب ، وتنافس علشان أفضل بس رافعة راسي فوق ويبقى ليا وجود مش مهمش. من وقتها بطلت أحب النهار، ووقعت في حب الليل. من وقتها لما أشوف الشمس غصب عني أكتئب، ولما أشوف النجوم أحس بالروعة. غريب، مع إن الشمس نجمة، والنجوم شموس. من وقتها اتولد جوايا حب النور في الظلمة. النور في النور بالنسبة لي ملهوش معنى؛ مش بيضيف حاجة، "it has low entropy". النور في الظلمة شيء أفهمه وأستوعب منطق وجوده والإضافة اللي بيحققها لي. أنوار الليل، وإن كانت مش بتبين جمال الموجودات زي ما نور النهار بيعمل، إلا إنها في حد ذاتها جمال. بالمقارنة مع نور الشمس، اللي بيخلي صورك سهلة وواضحة من غير تعب كتير، أنوار الليل مش بتسهل عليك إنك تلقط الصورة؛ أنوار الليل هي الهدف من الصورة؛ لما بتاخد وقتك وتسترخي، وإيديك تبطل ترتعش، بتحصل منها على نتايج مبهرة، وبتحس بالإنجاز.



هوسي بنجوم الليل كان اضمحلّ لما رجعنا مصر، لإن مكانش عندي رفاهية السقف المكشوف، ولا كان عندي بلكونة. لكن ده ما أثرش على تفضيلي لليل. في الليل كنت باذاكر وأنا باسمع مزيكا، وفي الليل كنت باكتب، وفي الليل كنت باعيش قصص كتير في خيالي. وفي الليل كنت باحلم، ولسه باحلم. كنت أفتكر النجوم، وأسأل: "ياترى لسه بيحبوني، ولو شافوني هايغمزوا لي؟" لكن ماتحصلتش على إجابة غير بعدها بسنين طويلة، في كينجستون، في ليلة قرر زميلنا وصديقنا عبد الحميد ياخدنا في رحلة ليلية مفاجئة لمتنزه البحيرة. في الليلة دي، رغم إننا كنا شلة، لكني قعدت لوحدي على حرف صخرة، وتحت مني البحيرة. مافتكرش الليلة دي كان فيها قمر، لإني لما رجعت بظهري للأرض علشان يبقى وشي للسما، افتكرت المشهد القديم. سلمت على النجوم: "وحشتوني!" لكن النجوم فضلت ساكتة، بتنور في صمت. فهمت إن السحر القديم اتبخر، ومعدش فيه وجود للخيالات. فهمت إني كبرت، ويمكن أكون عقلت، وبطلت أبقى حرة.

في الوقت ده من حياتي بدأت أكره الصمت اللي كان محاوطني. مكانش عندي مشكلة مع الصمت أيام ما كنت باطالع في النجوم، لكن الصمت اللي حاوطني في كينجستون كان قاتل بالنسبة لي، لإنه كان صمت من غير خيال؛ صمت كله شغل وذكريات لازم تندفن في أعماق الأرض. الصمت كان يصمّ الآذان، وماكنتش طايقة أسمعه من غير ما آخد الكون في حضني وأحلم زي زمان. كرهت إن لحظات السحر اتبخرت، وفضلت بس لحظات الكآبة تجترّ نفسها. كرهت إن الليل كان بيفكرني بإني وحيدة، إني حبيسة، إني خايفة. كنت أنتهز أي فرصة علشان أهرب للمدينة، بصخبها وناسها وزحمتها وعربياتها وعمايرها، وأنوارها. كنت أخرج وأمشي لوحدي المغرب أو بالليل، وأسيب المدينة - أي مدينة - تتوهني في سككها، وتغمرني بأنوارها.

ده كان، ولا يزال، من أهم أسباب حبي للمدينة؛ أنوارها وقت الليل.

على قد ما المدينة ساعات ممكن تبقى قبيحة بالنهار، على قد ما أنوارها المزروعة في كل مكان بتبدد من القبح ده وتضفي عليها بهجة من نوع ساحر بالليل. حتى القاهرة اللي بتتآكل فيها معالم الجمال بتبقى ساحرة بالليل. وكإنها بتدخل في عالم تاني، وكإن الناس بتتمسى غير الناس. في المدينة، أنوار العربيات وانعكاساتها على الأسفلت تفضل تمرّ في سيل لا ينقطع، يهدا شوية ويجري شوية؛ أنوار الإشارات الملونة وأعمدة الإنارة المزخرفة؛ أنوار المباني الضخمة اللي متحملة حواديت عن الناس السهرانة بتشتغل، أو بتشتغل نفسها. خيالات الناس بتتحرك وكإنها بفعل ريشة سودا بترسم لوحات عبثية على الأنوار، أو كإنها عرايس ماريونيت الخيوط اللي بتتحكم فيها متعلقة في سقف السما.


لما بامشي أو أتحرك بعربية في شوارع المدينة بالليل، ساعات أحب أسمعها، بناسها وكلاكسات العربيات بتاعتها وضوضاء المحلات في الشوارع، وأنصهر في البوتقة وأبقى جزء من اللوحة؛ خبطة فُرشة بترسم سيلويت معالمه مش مهمة، أو كومبارس في مشهد كبير ملهوش حدوتة ولا بيخدم حبكة ومفيش فيه بطل، أو درويش بيروح يمين وشمال، منتشي بالصخب وبيغرق فيه، علشان مايسمعش هواجسه ولا يتمعّن في أشباحه ولا يفهم هو إيه. أبص على المباني العالية اللي مليانة نقط نور، كل نقطة بتحكي حكاية بني آدم واحد، ممكن يكون ليها حيثية عنده هو، لكنها تايهة وعبثية وسط مئات النقط التانية المجاورة له. أبص على النقط، وأتمنى لو إني كنت واحدة منهم؛ فوق، باعمل حاجة محدش فاهمها غيري ومحدش محتاجها غيري. يتوه المعنى وينصهر ومايبقالوش وجود. أنا صحيح باحب الأضواء اللي ممكن تتسلط عليا لما أعمل حاجة ما اللي حواليا شايفين لها معنى، لكن طموحي المستخبّي إني ماكونش كده، إني أكون بلا حيثية؛ ترس في مكنة، نقطة نور في مبنى كبير من ضمن كتير، بتلفّ في دايرة صغيرة خلقتها لنفسها علشان تؤدي وظيفة على الهامش، وعمرها ما هاتدخل في أصل السكريبت، ومع ذلك من غير وجودها مفيش سكريبت.
 
القلق جوه العيون
وشها له ألف لون
حزنها غير حزننا
منها واحنا وحدنا



وساعات تانية أقرر ماتوهش. أمشي أو أتجول بالعربية وأنا باسمع مزيكا؛ چاز أو أوركسترا أو خفيفة ماتفرقش، وعينيا ترسم من وحي المزيكا لوحات من الأنوار، زي ما كانت في زمان تاني بترسم من النجوم تشكيلات. باختار بكامل إرادتي ووعيي إني أصمّ سمعي عن الدوشة، وأتغافل عن رحاية المدينة اللي بتطحن فيها بالنهار وتفضل مخلفاتها موجودة بالليل، وعن اللهث ورا متطلبات المدينة اللي باشوفه في حركة الناس وهم ماشيين مستعجلين علشان يلحقوا حاجة، أو متمهلين علشان يختاروا حاجة، أو مترقبين علشان يصطادوا حاجة، وعن المرارة اللي مستخبية ورا الوشوش المتبلدة وهي بتحاول تدّعي إنها مهتمة بمجريات الحياة في حين إن المعنى المضمن في كل فعل وحركة بطّل يبقى مهم. باختار أتغافل عن التعاسة المرسومة على وشوش ناس بتحاول تفكر غيرها بإن المآسي لازالت مستمرة رغم انصرام النهار وبإن أي شعور بالانبساط لازم يتحول إلى شعور بالدونية قصاد الجلال الشعري لتلك المآسي. باختار أتغافل عن الخناقات المتدارية ورا أبواب المحلات على تمن بلوزة أو جزمة أو طقم صيني أو غسالة، واللي باشوف إنها في حقيقتها "إن هي إلا أسماء سميتموها" وتفاصيل خلقوها وزوقوها وكبروها علشان تملا فراغات حياتهم اللي ملهاش معنى. في اللحظة دي بابص على المدينة من فوق، رغم إني فعليا تحت، وأتعالى على المدينة وتهافتها. أنا مش بامشي في المدينة مفعول به مغلوب على أمره منصهر في بوتقتها مستعد ينجرّ لخناقاتها وفصالاتها وتعاستها؛ أنا بارسم المدينة اللي على مزاجي، بالحواديت اللي أنا شايفاها حلوة، وبالألوان اللي تبهجني. أنا اللي باخلق الحبكة، لكن مش بالضرورة يكون ليها معنى. كل الحركة والأنوار اللي بتعدي قدامي بتتحول لمشاهد من فيلم، أنا فيه البطلة، والحدوتة، والحبكة. عارفة إن المشهد مجرد تظاهر أول ما هاوصل البيت هافوق منه، وإن أنوار المدينة مجرد زخرف بهيّ المدينة بتلبسه بس بيسيح مع أول شعاع شمس؛ تصبيرة بتخدع بيها الناس علشان يستمروا في الجري في الطاحونة لمّا يطلع النهار. وعارفة إني بترفعي عن الاندماج في حدوتة المدينة وخناقاتها العبثية علشان أوصل برضه للا شيء، بل وأستمتع بيه، هو قمة التناقض، لكن مين قال إن الاتساق مع النفس لازم يكون متحقق في كل لحظة.


المدينة بالنسبة لي كسرت أحاديّة اللون الأبيض للنجوم في السما، وحلّت محلها كل ألوان الطيف المتوهجة على الأرض. بطّل يبقى عندي اختيار وحيد، وأصبح عندي ما لا حصر له من احتمالات البهجة. لما بافكر في الثنائية دي باتعجب: هل أنا أبقى كده قوة شريرة، علشان بأفضّل أنوار الليل على نور النهار، رغم إنه "فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة"؟ هل أنا متناقضة مع الفعل البشري الطبيعي اللي بيحب النهار والشمس، وأبقى كده قوة شريرة من ضمن الكائنات اللي مش بتتوجد وتنتعش غير بالليل، والمحكوم عليها بالنبذ والوحدة؟ هل أبقى قوة شريرة، علشان انتقلت لحبّ المدينة، اللي الأنوار اللي صنعها الإنسان خلّتها أخيرا مُبصرة، وبطّلْت أنبهر بأنوار السماء؟


النور بيبدأ في الظلمة، وبينتهي في الظلمة. الظلمة هي الأصل، والنور استثناء.

وأهم ثيمات أنوار المدينة بتحصل أوقات احتفالات الأعياد الدينية والمناسبات الروحية، اللي بتتكلّف من الأنوار "البشرية" الشيء الكثير. كل الأنوار دي مش بتبان في النهار؛ لازم لها ظلمة علشان عينيك تنبهر بيها (لكن تبقى مشكلة لو روحك انبهرت بيها)، وزي ما أنوار المدينة ممكن تكون مخبّية حقيقة الدواير المفرغة اللي جوّه أهلها، أنوار الاحتفالات الدينية مش بالضرورة بتعكس "تنوير" حقيقي واكتشاف؛ هي برضه محاولة للتظاهر بإن في حاجة ورا كل ده تستاهل. هي غاية مفيش وراها مسعى، استعراض، زخرف، صخب، محاولة لخلق رمز ينبيء عن وجود روحاني له معنى. أنا في الحالة الخاصة دي، اللي فيها أنوار المدينة بتحارب علشان تخلق الحالة الروحانية، ممكن أقول إن الظلمة قد تكون أصدق وأعمق تأثيرا. صحيح باحب الأنوار دي وبانبهر بيها، لإني باعتبرها جزء لا يتجزأ من وحدة المدينة وتفردها، بس باحس فيها برضه بادّعاء المدينة وهوسها بفرض السيطرة: "احنا مش هانسيبك لنفسك تتحاور معاها. احنا هاننور لك، ومش هانديلك فرصة تنور لنفسك."







 


صخب المدينة صحيح بيشوش على أي رسايل الإنسان ممكن يبعتها لنفسه في استجابة لتساؤلاتها القلقة علشان تستقر، لكن الصخب ده بالنسبة لي كان مُنقذ. زمان كنت باستمتع بأنوار السما علشان كنت باسمع الرسايل، حتى لو مش فاهماها. كنت حاسة إني لو ركزت شوية هاوصل للأصل، للمعنى، للنور الحقيقي المستخبي. لكني هربت لما المِحَن اشتدت. كنت قاربت على الجنون الحرفي. أصبح الاختيار قدامي إما إني أستسلم للجنون وأغرق في دوشته أو أهرب لدوشة المدينة. كانت دوشة المدينة وأنوارها المصطنعة هي الاختيار الأسلم، ولكن دي قصة تانية ليها مدخل تاني هنا مش مكانه. النور الحقيقي، اللي هو الأصل اللي مايغيرهوش تعاقب الليل عليه، أنا معرفش كنهه لازم يكون إيه، ولا فاهمة هو لازم يكون مستخبّي ليه. معرفش أكتر من إن إحساسي الداخلي بيقول لي إنه سلام كُلّي مفيش فيه تنغيص ولا تكدير، ولا أسئلة، ولا جنون، ولا نقط من النجوم كل واحد يرسمها على كيفه، ولا أنوار تتزوق بيها المدينة من غير معنى حقيقي. لسه مش عارفة أوصل، بل يمكن أكون بعدت أكتر. لسه باحب أنوار الاحتفالات، بس عارفة إني ماينفعش أقف عند الأنوار دي وأنبهر وأقول "هنا آخر الخط". باحاول أخلق في نفسي نقط نور بدل الأنوار السماوية اللي معادتش مجدية، زي ما المدينة عملت لما خلقت لنفسها نقط نور أقوى وأكبر. وزي ما أنوار المدينة، رغم تهافتها في المفرد، بتخلق الإحساس بالحداثة والعظمة في المجموع، أنا كمان باحاول أضفي على كل نقطة نور باخلقها معنى يخلي الصورة كلها تكتمل كل يوم زيادة عن اللي قبله، وبدل ما يبقى الموضوع مجرد أنوار هنا وهناك، يبقى تنوير كُلّي.
 
من المؤكد إن روحي لسه مظلمة؛ التنوير ده أصله مش أمر هيّن ولا عمره بيخلص، لكني باقنع نفسي إن ربنا بيقدّر أكتر النور اللي بيخلقه الإنسان بعد جهد في روحه المظلمة. الإنسان الطاهر الخيّر بطبيعته اللي لا يجد غضاضة في اليقين والتسليم بدون ما يمر بمراحل النور، وعنده شمس جاهزة وطالعة على طول هو في حقيقة الأمر إنسان لم يتعرض للامتحان والمحنة، إنسان لا أطيقه لإن إحساسه بالاكتمال سَمِج. الامتحان والمحنة أمور بتشيع الظلمة في روح الإنسان، واللي يعرف ينتصر عليها ويوصل للسلام هايفهم معنى "النور في الظلمة". لو النفس البشرية تشبه المدينة، بمآسيها وطواحينها وناسها الخاليين من المعنى وناسها الكويسين وقوانينها وخناقاتها، يبقى طوبى للي يقدر يصنع في ظلمة نفسه أنوار تشبه أنوار المدينة. دي درجة مش مثالية، ومحتاجة ثبات عالي وطاقة وصيانة مستمرة علشان تفضل تمده بقدر من البهجة ويقدر هو كمان يتغافل عن منغصاتها، وممكن النفس البشرية دي طاقتها تُستنفذ وتعطل أنوارها أوقات ويرجع يغرق في الظلمة لحد ما يقرر إنه يعمل لأنوار نفسه صيانة، لكنها تظل درجة من النور. اللي يقدر يخلق الشمس في جنبات نفسه، وتكون شمس سلام صافية تنوّر ولا تحرق، تدفّي ولا تخنق، وتدمج كل ما سبقها من أنوار فيها بدون ما تنفيهم ولا تلغي الغرض منهم، يبقى نال المراد ووصل لآخر الخط، بس مين فينا يقدر يدّعي بكامل الصدق إنه وصل؟

Friday, May 16, 2014

أحلام بِتْفَسَّرْ

أنا باحترم أحلامي جدا. أحلام الليل، وأحلام اليقظة، لكن معنديش لسه أحلام للواقع.

تقريبا مفيش ليلة عدت عليا في حياتي من غير ما أحلم. معظم الوقت بافتكر أحلامي، ومعظم الوقت أحلامي بتكون فانتازيا ماتخطرش على بال حد. باحب أحلامي حتى لما بتخوفني، وباحبها حتى لما مش بافهمها. زمان كنت أصحى وأدور على تفسير الحلم، في الكتب، وبعدين على الإنترنت، بالعربي، وبعدين بالإنجليزي. كنت متخيلة إن الحلم رسالة من ربنا لازم أفك شفرتها علشان أفهمها وتنوبني فايدتها. بعدين اقتنعت إن الحلم رسالة مني ليا. يمكن رسالة من "أنا" اللي عاشت في الماضي، ويمكن من "أنا" اللي مستنياني في المستقبل. المهم إني في الحلم باكلم نفسي. رغم كده، مش بافهمني في أوقات كتير، ولا باقدر أفك شفرة الرسالة. أحلامي في العادة ليها ثيمات محددة. لما رجعنا مصر واستقرينا في شقتنا، كان الحلم دايما في بيتنا في ليبيا، وكان دايما كئيب، وكان دايما فيه شجرة العنب اللي كانت مزروعة في ركن البيت وفروعها مظللة داير ما يدور حوالين الحوش. دايما كنت أبقى فوق السطح، ودايما كان يبقى الوقت ليل، ودايما كان يبقى فيه نجوم كتير، زي ما كان بيبقى منظر السما في الحقيقة، بس دايما كانت النجوم موصولة في عقد هنا وسلسلة هناك، زي رسوم الأبراج الخيالية اللي بتوع الفلك والبخت حافظينها. لما نقلنا بيتنا الجديد في مصر، اتنقل الحلم لشقتنا. الشقة دي على صغرها وموقعها السيء وسط البناية كان ليها ذكريات حلوة، ويمكن علشان كده كانت أحلامها فيها عنفوان، بس كانت الثيمات تقليدية. دايما كنت أبقى في عربية (وأنا مبعرفش أسوق، وإن كنت وقتها عارفة الخطوات نظري)، ودايما بتضطرني الظروف إني أسوق العربية، ودايما عقلي بيحاول جهده يفتكر خطوات السواقة وينقلها لأعضائي، ودايما في حاجة بتجري ورايا وتحفّزني إني أهرب، ودايما الحلم يخلص قبل ما أوصل للهدف، اللي بيبقى غامض وهُلامي. تطوّر الموضوع لما اشتغلت، وبقيت أحلم إني طالعة سلالم، بس مش شايفة غير السلّمة الجايّة، وكلّ ما فوقها فراغ. طب ازاي أطلع السلمة دي ومفيش بعدها غير الفراغ؟ برضه كنت أطلع، وفورا ألاقي السلمة اللي بعدها اتجسدت. كنت أفضل أطلع لحد ما أفوق من الحلم. السلالم تطورت بعد كده وبقيت أشوفها كاملة، لكن بتلف في دوّامة مابتنتهيش؛ أطلع علشان أنزل، وأنزل علشان أطلع. حاجة كده تشبه سلالم إيشيريان*. الغريبة إني كنت باوصل لفوق في نهاية الحلم. فوق ده يبقى شقة حد من الأقارب أو الأصحاب، مكتب مدير، سطح، إلخ، المهم إنه مكان تنتهي عنده الرحلة.



العربيات والسوّاقة والسلالم (والأسانسيرات في أحيان نادرة) خدت حيّز كبير من أحلامي لمدة مش قصيرة، وكانت بتتطوّر مع الوقت لأحلام أغرب وأعقد، لدرجة إنها كانت بتسيطر على تفكيري، وبدأت أكتبها علشان أنساها. ابتدت بعد كده الأحلام تخرج من دايرة النمطية وتبقى غير تقليدية بالمرة، ولمّا كنت أحكيها للناس يتندّروا عليا. مثلا حلم القهوة واللؤلؤة، اللي فيه أنا ماشية في شوارع مدينة بادوّر على محل معين قالوا لي إنه بيبيع لولي. لما بلاقي المحل، صاحبه بيستقبلني بابتسامة، وبيسألني: "عاوزة إيه؟" "عاوزة لؤلؤة بيضا صافية، وقالوا لي انت الوحيد اللي تقدر تعملها لي." يرد صاحب المحل: "بس أنا معادش عندي لولي أبيض!" فأنا أتوتر، ومعرفش إيه اللي مفروض أعمله علشان أتحصّل على لؤلؤة بيضا، يقوم صاحب المحل يقول لي: "أنا أقدر أقول لك تعملي واحدة ازاي بنفسك. هادّيكي كنكة قهوة، ولما توصلي البيت، هاتعملي فنجان قهوة عادي جدا في الكنكة دي، وتفضلي تقلبي البن، ومع الوقت هتلاقي كورة بيضا بتتكوّن في الكنكة. دي هاتكون اللؤلؤة بتاعتك. بس انتبهي، لإنك لو رفعتي اللؤلؤة من كنكة القهوة قبل الأوان، اللؤلؤة هاتتفتّت لحبات سكر! وخللي بالك، إن كنكة القهوة دي مش بتعمل غير لولية واحدة..". أبصّ لصاحب الدكان شوية، ولكنكة القهوة، وآخدها وأنا مبسوطة، وأروح البيت علشان أتبع الوصفة. أفضل أقلب البن في الكنكة، وأشوف الكورة البيضا بتتكوّن جوّه فعلا، وانبسط، بس فجأة أسأل نفسي: "أنا معرفش إمتى الوقت المضبوط اللي أرفع فيه الكورة البيضا! ازاي نسيت أسال الراجل السؤال ده؟!" وتبدأ إيديّا تترعش وهي بتقلب، لكن أقول لنفسي في استسلام: "هاجرب حظي، إيه هايجرى يعني.."، وأسحبها بالمعلقة بالراحة. اللؤلؤة أهي، بتلمع في النور! ومش مهم إنها مش منتظمة الشكل، ومش مهم إنها تشبه السكر، وإن السكر برضه ممكن يبقى كورة، وبيلمع في النور. الحلم ده كان في 2009، وكانت كنكة القهوة دي بالنسبة لي زي مصباح علاء الدين. أنا باحب حدوتة مصباح علاء الدين جدا، وبقى عندي كده حدوتة الكنكة..

أما أغرب حلم حلمته فكان في 2011، وكان في طيارة، وكان على جزئين، حلمت بالجزء التاني الأول، وصحيت، ومعجبنيش إني مش عارفة الحلم ابتدا ازاي، قمت نمت تاني، وحلمت بالجزء الأول! الحلم بدأ في النص، بإني في طيارة فخمة، ومعايا زوجة سفير، وبندوّر على ناس، منهم جوزها وأبويا. فجأة بنلاقي جثة، وبيخطر في بالي إنها لواحد أعرفه في الحلم، إسمه إسلام، شعره أشقر وطويل وعلى شكل ديل حصان. أخاف، وأبقى عايزة أخرج من الطيارة، بعدين الست يبدأ يترسم على وشها خطوط سودا، زي ماتكون بتتلاشى. أبص من شباك الطيارة، وألاقي  كل الناس اللي واقفين بره زيها، بيتحولوا لبقايا. كل ده مش مهم بالنسبة لي، المهم إني ألاقي أبويا. باخرج من الطيارة، وألاقيه. بقايا. أصحى من الحلم مقبوضة ومتضايقة، وعايزة أفهم. لكن أرجع أنام تاني، يقوم يبدأ الحلم من أوله. أنا وأبويا والشاب اللي اسمه إسلام، اللي بشعر أشقر وديل حصان، واحنا ماشين في شارع. في اللحظة دي في الحلم أحس إنّ ورايا حاجات لازم تتعمل، بس قلقانة على والدي، أقوم أطلب من إسلام ده إنه ياخد باله منه ويتمشى معاه لحد ما أنا أخلص اللي ورايا. يوافق على مضض، وياخد أبويا من دراعه، وأشوفهم ماشيين قدامي. أخلص أنا الحاجات اللي كان لازم أعملها، وأرجع أدور عليهم، أقوم ألاقي أبويا قاعد لوحده على بنش، وإسلام ده بيلعب في مكان بعيد شوية. أزعق فيه، يرد عليّا إنه مش مهتم ياخد باله من راجل كبير في السن. أمسك دراع أبويا وأحاول أمشيه، بس مابيرضاش. عايز يفضل مكانه، قريب من الشاب. أقول لهم طيب أنا عندي طيارة، ملكي، تعالوا زوروني في الطيارة. بعدين بلاقي نفسي في الطيارة، وهم جايين فعلا يزوروني، وراكبين عربية علقانة في زحمة السير. شايفاهم من شباك الطيارة، وشايفة الناس اللي سايقة، كإنهم بيهربوا من حاجة. كلهم مزنوقين في الزحمة ومحدش عارف يهرب من "الحاجة" دي. شايفة أبويا فجأة بيبص على حارة على يمين الطريق مش زحمة، وبيقول لسواق العربية يمشي فيها علشان يوصل للطيارة. بيمشوا في الحارة دي لحد ما يوصلوا للطيارة، بس أنا مش شايفة غير أبويا، والشاب بيختفي. في ناس كتير ملمومين حوالين الطيارة، ووالدي بيحاول يندمج معاهم، وبيقف يتكلم مع سفير ومراته. أنا برضه باتكلم مع الناس، بس في حاجة لازم أعملها جوّه الطيارة. فجأة باشوف من الشباك مطر حمضي نازل على الناس، والناس بتتحرق وتتلاشى. معرفش ليه ده بيحصل، بس بارجع أشوف المشهد اللي بدأ بيه الحلم. الحلم ده الخطوط العريضة بتاعته بترجع تتكرر تاني في 2012، بس المرة دي أنا وأبويا ماشيين في الشارع بندوّر على "الحكمة"، وبنلاقي بدالها جزّار عارض "لحمة" فاسدة. بنجري برضه في عربية على طريق (بس أنا في العربية المرة دي مع والدي) وبنحاول نلحق معاد طيارة وراجل لازم نقابله في المطار. بنوصل، وأنا باتوه وبلاقي نفسي عند البوابة الغلط، والبوابة زحمة. فجأة البوابة بتفضى، وباشوف الراجل اللي كان مفروض نقابله عند البوابة اللي بعدها، وبنستنى علشان نركب الطيارة.

تبدأ الطيارة من وقتها تظهر في أحلام متفرقة، لحد ما تتجلّى امبارح، وأنا ماشية في الحلم مع ناس في الجامعة، وبنقف علشان الناس دول يكلموا ناس تانيين. أبص أنا في السما، ألاقيها بيضا، وألاقي الشمس متصدّراها، وَهَج أبيض، كورة مدورة، وكاملة، وفي وسطها بالضبط، ألاقي طيارة، دايرة الشمس محاوطاها، في لوحة جديرة بمشهد سينما. الناس تخلص الكلام، وأرجع أنا ملهوفة على أوضة مقيمة فيها في فندق ما جنب الجامعة علشان أكمل فرجة على المنظر ده. أجري على التّراس، ألاقي الشمس راحت، وبدل منها يظهر لي قمر، مكتمل، نوره سلاسل فضة منعكسة على كل حاجة حواليّا، وفيه حد عالباب؛ راجل واقف بيسأل سؤال. دايماً في الحلم فيه راجل، بيسأل، أو منتظر، أو عنده إجابة لسؤال محيّرني.


قهوة، ولؤلؤة. عربيّة، وسلالم، وطيّارة. شمس، وقمر، وعقود من النجوم. فضاء، وسفر.

زمان كانت العربية هي محور أحلامي، والعربية فسّروها إنها "الحياة"، والطريقة اللي بنتعامل بيها مع العربية هي الطريقة اللي بنتصرف بيها في حياتنا. بكده يبقى أنا كنت زمان مجبرة إني أعيش حياتي من غير ما أفهم ليه، وباتصرف تحت وطأة الضرورة، وبدون ماكون شايفة هدف مفروض إني أوصل له، و"خط النهاية" مش موجود. مابعرفش "أسوق"، لكن عندي فكرة عامة، والفكرة دي هي اللي بشكل ما بتمكّنني إني أمشي في الطريق اللي قدامي، رغم إني دايما باشكّك في مطابقة مفهوميتي دي للواقع العملي. المهم إني مفيش مرة حلمت فيها إني ماسقتش ووقفت مكاني واستنيت إيه الأسوء اللي ممكن يحصل. يعني متبرمجة على المعافرة حتى في نومي. هو الإنسان لو فكّر إنه يتحدى "برمجته" ويبطل "يسوق" ويقف يستنى اللي ممكن يحصل، إيه اللي ممكن فعلا يحصل؟ طيب لو كنت في مرة قررت أبطّل أطلع سلالم الحلم، ووقفت، أو نطّيت حتى في بير السلم، إيه اللي كان ممكن يحصل؟ طلوع السلالم في الحلم فسّروه بإنه الفهم والحكمة والتنوير، الخروج من العمق والتفاصيل للسطح والرؤية الكلية للأمور. أنا في الأول كنت باطلع السلّمة وأنا مش عارفة في سلمة بعدها أو لأ، زي ما كنت باسوق من غير ما أبقى متأكدة من خطوة السواقة الجايّة، ومن غير هدف في الآخر برضه. بعدين بدأت مرحلة إني أدور في سلالم لا منتهية، أطلع وأنزل، ومابقاش عارفة أنا هاوصل والا لأ. وزي ما الطلوع رمز للوصول لفهم أشمل، النزول برضه رمز لفهم أشمل، لكن للذّات، مش للموجودات. يمكن تركيز الأحلام على "الطلوع" ودمج "النزول" في دوامة من الحركة الدائرية بيعكس خوفي من مواجهة نفسي وتحليلها في البداية، واستعدادي المتردد إني أعمل ده في نهاية المطاف. نفسي بتكلّمني من خلال الأحلام، وبتقول لي: "في النهاية انتي لازم تسمعيني وتتفاهمي معايا، وتعالجي المشاكل اللي بيّا، وتتفقي معايا ازاي هانكمل مع بعض بشكل صحي وسليم، علشان مش كل شوية هاطلع لك في الحلم وألفّفك حواليا." 

بدأ يبقى فيه "خط نهاية" في المرحلة دي من الأحلام؛ أنا بشكل ما باوصل لـ"مكان" أنا مستهدفاه. الموضوع بالنسبة لي أصبح منطقي. طول ما مفيش هدف، مفيش شكل للمسار اللي مفروض أمشي فيه، في بس إحساس بإني أعيش "اللحظة" - عتبة سِّلِّمة، أو دوسة بنزين - وماقلقش على اللي ممكن يجي بعدها. يمكن لما بدأت أكبر وأشوف الحياة من منظور أوسع شوية، وأفكر في المستقبل ككتلة واحدة مش كأيام منفصلة، يمكن ده الوقت اللي بدأت فيه الأحلام تاخد شكل فنتازي ومُجمل؛ السلالم تبقى مكتملة، ومكان النهاية يبقى فيه شيء من الوضوح والتحديد، ولمّا أحلم بجزء أقوم مايعجبنيش وأرجع أكمل الحدوتة علشان الصورة تبقى كاملة وواضحة في ذهني، والمواجهة مع النفس تبقى حتمية. وقتها بدأت الطيارات تظهر، والطيارة تفسيرها الارتقاء، والمنظور العلوي، والحرية، وإدراك أقوى للنفس. فاضل بس إني أحلم إني باسوق الطيارة، علشان أعرف ساعتها إن رحلة الوعي والتنوير اكتملت، وإني متحكمة أخيرا في مصيري، وعارفة أنا عايزة إيه وواثقة من قراراتي اللي هاخدها علشان أعمل اللي أنا عايزاه. هكذا تقول التفاسير.

الرمزية اللي في أحلامي بطّلت تقلقني؛ بطّلت أحاول أفهم ليه المطر حمضي، وليه أبويا بيظهر كتير، وليه فيه لولي ممكن يطلع لي من كنك القهوة، وليه فيه شمس وقمر ونجوم. المهم إن كان فيه عربيّة، وبعدين بقى فيه سلالم، وبعدين الحكاية دخلت في طيارات؛ كنت بامشي على طريق، في مسار أفقي، وبعدين بدأت أطلع لفوق، في مسار شبه عمودي، ودلوقت أنا عايزة أفضل فوق، وأكمل مسار أفقي، في عنان السما، وفي اتجاه الشمس.

 
 
 *Escher Stairway, or Penrose Stairs.

Wednesday, May 7, 2014

حكاياتك يا اسكندرية

مش عارفة ليه حسيت إن الإجابة هاتكون في اسكندرية.

أنا السؤال والجواب؛
أنا مفتاح السر، وحل اللغز.

هل كان أسامة أنور عكاشة بيجاوب في زيزينيا على السؤال اللي حيره في أرابيسك؟ اسكندرية. الميتروپوليس. المدينة اللي عاشت قرون وعصور تتشيك وتتنسي، وتتهدّ وتتبني. اسكندرية طبقات؛ طبقات من الناس، والمعمار، والثقافة، والتاريخ، والجغرافيا. طبقات من الوعي. مصر صغيرة، بس فيها مسحة سحر مش موجودة في باقي مصر. اسكندرية مش فرعونية الهوى، ولا إسلامية الهوى؛ "اسكندرية فلسفيّة". والاسكندرانية فلاسفة؛ سَمْتُهم هادي وراسي، حتى البيّاعين، اللي شغلتهم محمومة بطبعها، حاسّين بذاتهم الفلسفيّة. الناس قاعدين في الدكاكين في صمت، بينبسطوا في صمت، مزنوقين في المواصلات في صمت. صمت وهدوء وتأمل. "اسكندرية مفكّرة". ممكن يكون البحر هو اللي ادّى أهلها مساحة التأمل دي. مش باشوف المساحة دي في القاهرة؛ القاهرة اللي باحبّها جدّاً كلّها دوشة وصوت عالي وإيقاع محموم وخناق على السلّم الاجتماعي. يمكن الاسكندرانية حاسين إنهم بالفعل على قمّة السلم ده، فكرياً وثقافياً إن لم يكن بالضرورة مادياً. اسكندرية مفيهاش "business district" بالمعنى المعروف، ولا أنا حسّيت إن النشاط التجاري فيها بيجري علشان يلحق الدنيا من حواليها. الناس بتقدّر أجازة يوم الأحد وشم النسيم، وسايبين الدنيا رايقة وقافلين محلاتهم وبيتفسحوا عالبحر. في كل مكان تاني الناس بطّلت حتى تاخد أجازة الأعياد وتسيب ساحة المعركة الاقتصادية وترتاح شوية. يمكن قدريّة الصيد واعتماده على عوامل مش بإيد الصيّاد صبغت المدينة كلها بطابع التسليم ده، اللي بيقلّ كل ما بتبعد عن البحر. واسكندرية عاصمة علم وفلسفة، مش عاصمة حرب وتمترس وسلطة. قلعتها صغيرة وهادية ومفيهاش ملامح العظمة الكلاسيكية بالمقارنة مع القلاع الحصينة التانية. قلعتها قصاد جامعتها، والاتنين على طرفي كورنيش عامل نص دايرة عبقري. ماشفتش حتّى ظواهر دروشة وانذهال عند المرسي أبو العباس، ولا ضجّة وصخب عند المراجيح اللي اتنصبت جنبه وكانت الأطفال بتلعب فيها بمناسبة شم النسيم، ولا خناق وزعيق في الشوارع. احتمال يكون توقيت الزيارة فرض الصورة الذهنية دي عندي، لكن إحساسي كان إن اسكندرية مدينة التوازنات المذهلة. مفيش اكتساح أو نصر متحقق لفكرة، ولا عرق، ولا دين، ولا أسلوب حياة، ومفيش انعزال بين كل دول وبعض.

البحر هو الإجابة؟ البحر اللي كان حلقة الوصل باليونان - مهد الحضارة ودرّة الفلسفة. اليونانيين مَعْلَم "أصيل" حاضر في كل حاجة في اسكندرية - أسماء الشوارع والأحياء، شكل المباني، أعرق المحلات والقهاوي والأوتيلات، الراجل اللي قعد على الطرابيزة جنبي يوم ما كنت راجعة وكان بيتكلّم في الموبايل باليوناني وبعدين يطلب الشاي بالمصري. القاهرة معالمها التاريخية في المعظم إسلامية، والجيزة - بوابة الصعيد - بتبدأ فيها معالم اليدّ التقيلة للحضارة الفرعونية، لكن مش اسكندرية. ممكن يكون في حاجة اسمها الحضارة السكندرية؟ المهم إن البحر حاضر. البحر حاضر حتى بين المباني، كنت أحس إن الناس وهي بتمشي أو راكبة المترو بتتلفت دايماً في اتجاه البحر علشان تتأكد إنه موجود لسه بين المباني ومفيش حد هايسرقه أو هايخبيه منهم. والبحر حاضر على واجهات المباني، حتى اللي البحر بياكله من المباني بيخليها جميلة، بصمة بيتباهى بيها المبنى ويقول "أنا هنا قدّام البحر، شاهد عالبحر، وقيمتي من البحر".


والفلسفة حاضرة، في الناس، وحتى في المباني وديكورات المحلات. كل مبنى شخصيّة مستقلة، لكن في نسق عام مريح وباعث على السكينة. حتى المهجور منها له سحر؛ نداهة بتهمس وتقول لك "تعالى، أنا جوايا حكايات وكنوز وحواديت.. بس اسمع.. تعالى وانا هاونسك، ومش هاسيبك تخاف ..". طول عمري لما بازور مدينة جديدة بانبهر بمبانيها القديمة وآثارها قبل طبيعتها وحداثتها. الحيطان بتبقى شاهد على الحوارات والحكاوي القديمة، وممكن تكون بتتكلّم وترَدِّد اللي اتقال من قديم الزمان، بس محدّش بيقف جنبها ويونِّسها ويسمع لها. الزخارف والطَيّ شواهد على أيادي الصنايعية اللي نحتت بفن ودقّة وسيميتريّة حكاوي ورموز وشخصيات الصنايعي قبل المُلَّاك. البلكونات بتحكي عن مين من اللي سكنوا بيوتها كانوا محافظين ومش عايزين رجليهم تنكشف على الشارع ومين كانوا مُتَبَسِّطين ومش خايفين من المشاركة، مين كانوا أرستقراطيين ومتحفظين وتقليديين ومين كانوا ولاد بلد كل حاجة عندهم واضحة ومش مستاهلة مداراة وتزمُّت. أنا عندي نظرية لطيفة هي إن البني آدم يقدر يعرف شخصيّته من بلكونته، أو من الطريقة اللي بيتفاعل بيها مع بلكونته؛ اللي بيتفرّج عالناس، اللي قاعد على كرسي البامبو بيشرب سيجارة وكوبّاية شاي، اللي عامل جنينة وقفص عصافير، اللي بيقف في الركن خايف من العلو لو البلكونة مكشوفة، اللي بيعمل بلكونة واسعة ومقفلة، واللي بيعمل بلكونة ضيقة ومقفلة، واللي بيعمل بلكونة حديد ضيقة، واللي بيقفِّل بلكونته بستاير.


المباني في اسكندرية بتحكي، مين كان صعب عليهم يسيبوا المكان تكتسحه المدنية والعمران الجديد، ومين الظروف كانت أقوى منهم وزقتهم بره المكان، وفضل المكان أطلال خربة متهدّمة، لا هو مسكون ومجبور خاطره ومجبورة جدرانه، ولا هو ممسوخ بشخصية الطوب الأحمر القميئة اللي مفيهاش أي مَعْلم ذوق أو تفكير أو تعب. طيب مش يمكن وقت ما كانت المباني الساحرة دي لسه برونقها وزهوتها الأولى اتقال عليها من معاصريها زي ما أنا باقول دلوقت على الطوب الأحمر؟ يمكن كمان 100 سنة يبقى الطوب الأحمر ده "فن" و"شاهد" على زخم التاريخ والمرحلة وحكايات الناس. حتى أطراف المدينة اللي شوهها الطوب الأحمر كان فيها مباني بتحاول تستنسخ الشخصية المعمارية السكندرية القديمة، لكن الدهان جديد، والناس غير الناس، والهواء غير الهواء، والبحر مش طايل يرسم عالمعمار الجديد خطوطه السريالية ويبصم عليها بالختم السكندري. المباني حلوة وفيها فن، بس هي في عينيّا زيّ كعك العيد الآلي؛ شكله جميل ومنتظم وطعمه لطيف بس لا يمكن يكون زي كعك البيت بتاع زمان اللي كانت تيتا بتعمله. في وسط البلد العتيق، كل عمارة فيها روح، فيه صور قديمة مرسومة في خيالي لحكايات سرّية اتحكت في كل بلكونة وشبّاك ومدخل سِلِّم. كل قهوة فيها شواهد على خناقة ولعبة، وعلى طرابيزاتها وشيشاتها وعِدِّتْها بواقي لتاريخ اتخلق واتناقش وبقى له حيثية، وعلى كراسيها خيالات سراب لِنَاس ركنت للمرة الأخيرة قبل السفر، وناس ركنت للمرة الأخيرة بعد السفر.

لما زرت اسكندرية من أسبوعين، كان الوقت شم نسيم وعيد. حرّ وشمس مش مستخبية ورا أي حاجة. بعد ما رجعت بيومين، حلمت إني في اسكندرية تاني، اسكندرية تانية. اسكندرية زي ما الاسكندرانية بيحبوها؛ مغيمة، الشمس مستورة ورا السحب، والمَطَرة بترخّ على خفيف، البحر رمادي في أبيض، مش فرحان لكنه مش غضبان، وأنا بامشي عالكورنيش، في عكس الاتجاه اللي مشيت فيه لما زرتها. لما زرت اسكندرية من أسبوعين، مشيت ناحية الغرب، ناحية المرسي أبو العباس والجمرك والقلعة، لكن في الحلم، كنت بادية من هناك، وماشية ناحية الشرق والمكتبة والكافيهات. الرمزيّة اللي في التناقض ده كانت متجليّة في الحلم: الشرق مفروض كان هو مصدر الغزو لمصر، والغرب كان مصدر التحضّر والعلم، تقوم المكتبة تبقى في اتجاه الشرق، والقلعة تبقى في اتجاه الغرب. المناطق الراقية تبقى في اتجاه الشرق، والمناطق الشعبية تبقى في اتجاه الغرب. لوهلة وانا باكتب الكلام ده دلوقت اختلط عليا الحلم بالحقيقة، ومابقيتش عارفة أنا فعلا زُرْت اسكندرية من أسبوعين وباحلم دلوقت، والا كنت باحلم من أسبوعين والحلم هو الزيارة الحقيقية. المشهد في الحلم كان يشبه بالضبط أول مرة تطأ فيها رجلي أرض اسكندرية، يوم ما وصلنا مصر بعد رحلة برّية طويلة ومُضنية قضينا فيها تلات أيام بلياليهم في السوپرچيت اللي رجّعنا عودة نهائية من ليبيا علشان نستقرّ في أرض الوطن. السوپرچيت كانت محطته الأخيرة "محطة الرمل". لما زرت اسكندرية من أسبوعين لفّيت في المحطة شوية على أمل إني ألاقي المكان اللي السوپرچيت نَزِّلْنا فيه، ولمّا غلُبت، سألت راجل وقور على مدخل عمارة في الرمل: "كان فيه هنا مكان السوپرچيت اللي جاي من ليبيا كان بيقف فيه، فاكره؟" قال لي إن الأتوبيسات كلها بتقف في سموحة دلوقت. قلت له: "فاهمة، أنا باتكلم عن عشرين سنة فاتوا." تأمل في وِشِّي كده شوية علشان يتأكد إني مش عبيطة، وبعدين قال لي: "آه، تقصدي المقرّ القديم بتاعهم، هو هناك، ورا الغرفة التجارية." رحت "هناك" دي وأنا خايفة يكون فيه بوّابة زمن مستنياني تاخدني لعشرين سنة ورا ومارجعش تاني .. أنا مش عايزة أرجع لِوَرا، مش عايزة أرجع للماضي؛ أنا عايزة بس أتفرج عليه. أنا كنت دايماً عايزة آلة زمن، مش علشان ترجّعني أعيش التاريخ من أَوِّلُه، لأ علشان بس أتفرج على التاريخ والحوادث واكشف الأسرار وأعرف الحواديت. كنت عايزة أرجع أشوف المكان اللي كان شاهد عليّا في أكتر فترة كنت فيها هشّة ومتلخبطة ومش فاهمة حاجة. مشيت شوية، وبعدين شفت بقى "الخطوط الليبية". المكان كان هناك.. احنا كنّا هناك من عشرين سنة، رجلينا سلّمت على تراب البلد هناك لأول مرة وهي عارفة إنها مش مِفارقة تاني. يوم ما وصلنا، كان الوقت فجر، ومكانش فيه أماكن كتيرة مفتوحة تخدم الزباين. يومها اترصّصنا على كام كرسي وطرابيزة جنب بيبان قهوة البورصة (أو التجارية مش هاقدر أفتكر بالضبط). لسه فاكرة مشمّع الطرابيزات. لسه فيه قهاوي هناك بتستخدم المشمع القديم التقيل ده، اللي كله نقوش وألوان، وطَفْيِ سجاير.



فاكرة منظر والدي وهو بيشرب السيجارة وساند بظهره على باب القهوة القديم. فاكرة إن جو الفجر الرمادي ده خَلَّى المدينة كلها تبان مسحورة وأثيريّة في عينيّا. كنت شامّة ريحة الرطوبة التقيلة - احنا كنا وصلنا في أكتوبر. نفس الريحة دي دوّرْت عليها يوم شم النسيم في اسكندرية مالقيتهاش. يومها كان الشارع حوالين البورصة والتجارية والخطوط الليبية غرقان في الشمس، شمس صريحة وقحة، الشمس اللي باكرهها. اسكندرية مش مفروض تكون غرقانة في النور الوقح ده كده! "اسكندرية فلسفيّة"، والفلسفة بطبيعتها سرّ الوجود، وبتتكشّف للعارفين والمريدين بالتدريج وبالتعب، مش بتحرقهم بوهج النور. اسكندرية في نور الشمس غريبة على عيني. الشمس حقيقة بتبدّد أي وهم، وتشقّ أي ظلمة، بتبخّر أي رطوبة وخيالات. اسكندرية مش كده. يمكن ده سبب إن أهلها مش بيحبوها قوي في الصيف. يمكن اسكندرية علشان كده هي السؤال والجواب؟ بتحيّرك وترسّيك؟ بتلخبطك وترجع تطمّنك؟ أوروپية بس مصرية، بس ولا هي صميمة المصرية زي القاهرة والجيزة ولا هي صميمة الفَرْنَجة زي شرم الشيخ والغردقة؟ يمكن علشان كده لا القلعة كسبانة ولا المكتبة كسبانة في أفق دايرة الشط السحرية اللي في وسط البلد، والكسبان هو اللي يقف في النص؟

ليه رحت أدور على مكان اللقاء الأول؟ أنا عمري ما اتمنيت من نهاريها إني أرجع اسكندرية تاني، وحتى لما أختي دخلت كلية الفنون الجميلة في اسكندرية عمري ما اتلهفت على الزيارة ولا افتكرت لحظة اللقاء الأول وحبيت أسترجعها. كان هوايا دايماً من يوم مارجعت مصر هو القاهرة، وقلبي كان دايما متعلق بيها وبتاريخها. ليه بعد السنين دي بدأت اسكندرية تراودني عن نفسي وتقول لي "تعالي، الحل عندي، المتعة عندي، الصفا عندي"؟ في آخر اليوم اللي زرت فيه مكان ما رسينا في مصر لآخر مرة، رحت في اتجاه مكتبة اسكندرية، وفي اللحظة اللي خرجت فيها من مكتبة ديوان ورحت أرتاح شوية في سيلانترو، ولقيت لحسن حظي طرابيزة شيك على التراس في مواجهة البحر، وطلبت قهوتي، وصوّرت الغروب، قلت "كفاية. افصلي، حطّي الموبايل جنبك، وبصّي مرة واحدة على الغروب لنفسك من غير ما تبقي ملهوفة إن حد يشاركك فيه." استرخيت، وسندت رجلي اللي كلّت من اللفّ على السور الحديد، وبصّيت للشمس وهي بتاخد الغُطس الأخير، ورجعت لورا بظهري للكرسي وأنا باطلّع نَفَس عميق متأني كان محبوس من زمان، وعبّيت من الهواء الرطب، وتأمّلت في خيالات المحبين السوداء قصاد بواقي النور، و"احتسيت" القهوة. لحظتها - واللحظة دي استمرت ساعات ليلتها - لحظتها حسيت بدفق جارف من السلام والطمأنينة والانبساط والبهجة. كانت لحظة الفهم والتسليم. كانت كل حاجة مكتملة في اللحظة الطويلة دي، حتى مقدار التعب كان لذيذ؛ لا هو مرهق ولا هو راحة سخيفة تخلي الواحد يتقلقل مكانه. تعب وخدر يجبر العقل إنه يستكين. اللحظة دي كانت ملكي لوحدي، أنا اللي هيأت ظروفها، ومحدش كان معايا فيها، لا جنبي ولا في أفكاري. كانت لحظة منعشة. البني آدمين لازم يعيشوا اللحظات اللي زيّ دي كتير.

عمر الإحساس ده ما جاني في القاهرة. القاهرة مدينة مُدَّعِية، كل اللي يعيش فيها لازم يتطلع، ويتظاهر، ويمثل، ويجري، وعنقه يشرئب للملذات المادية والمظاهر الاجتماعية. طبقات مش حابة بعض لكن مالهاش غنى عن بعض. طبقات كلها ردود فعل لبعض، لكن بتتعامل مع بعض، وبتحاول تنصهر في بعض، ثم تتباعد، ثم تنصهر، ثم تتباعد .. موجات انصهار وتباعد مستمرة مش بتقف. ماحسيتش إن اسكندرية كده. يمكن ناسها بتتخنق في الصيف من الزحمة وهجرة المصايف، لكن اللي شفته على طول الكورنيش انصهار من نوع تاني؛ ناس بسيطة بتاكل عالبحر، وناس شكلها من الطبقة المتوسطة قاعدين على كراسي وشمسية أو بيتمشوا وهما بيصوروا بعض، وشباب شيك نازلين من عربياتهم الفخمة علشان يصوروا مراكب قديمة، ويصوروا بعض ووراهم الناس اللي قاعدين بياكلوا أو بيتسامروا، وبعد ما يخلصوا تصوير المراكب هايطلعوا عالنادي اليوناني يتغدوا هناك، وواحدة زيي، غريبة عن البلد، بتشوف كل ده في لوحة مرسومة، مركبة وبسيطة، متلونة وقديمة، متهالكة وجميلة. 


لحظة الغروب المكتملة اللي عشتها خلتني حابة آخد اسكندرية في حضني، زي ما الأوتيل اللي اخترته - بناء على نصيحة غير مباشرة من صديقي وزميلي العزيز محمد صيام - واقف في ميدان سعد زغلول، في نص الدايرة السحرية لكورنيش وسط البلد، وواخد اسكندرية في حضنه. وكإن سعد زغلول لسان حاله وهو مواجه البحر في النقطة دي بيقول: "مفيش فايدة، لازم أحبك يا اسكندرية."

وعمار يا اسكندرية .. يا جميلة يا ماريا .. 
وعد ومكتوب عليا .. ومسطر ع الجبين ..
لاشرب م الحب حبه .. وانزل بحر المحبة ..
واسكن حضن الاحبه .. و الناس الطيبين ..



Sunday, January 19, 2014

دبي: زيارة وتأمل

[بعض الصور في هذه التدوينة ليست من تصويري. روابط الصور التي ليست خاصتي تشير لموقعها الأصلي.]

هذه التدوينة تتأخر جدا في نقل انطباعاتي عن العشر أيام التي قضيتها في دبي أواخر الصيف الماضي. ولكن ما أريد رصده هنا - بالإضافة لاستعراض ما صادفته في الزيارة - ليس مرتبطا بالوقت أو المكان، وإنما هو تفكرات تقارن بين معطيات ونتائج مصرية وإماراتية لمعادلة "كيف تنجح في بناء أسطورة".

بداية، لقد كان اختياري لتوقيت الزيارة خاطئا تماماً، فدبي مستحيلة في الصيف. إن الأمر يتعدى درجات الحرارة المرتفعة. إن الجو يسرق قدرتك على التنفس خارج الأماكن المغلقة، ولا يعود لمصطلح "الهواء الطلق" أي معنى. الحقيقة هي أن جو مصر معتدل بالفعل، خلافاً لكل النكات والقفشات على ارتفاع معدلات الحرارة والبرودة في مصر في السنوات الأخيرة. أنت في مصر يمكنك أن تتنفس، وإن كان الصيف حارا نهارا فهو مقبول ليلا، ويمكن للجميع أغنياء وفقراء أن يخرجوا للشوارع ويستمتعوا بال"فسحة" في الهواء الطلق - ودعنا نغض الطرف هنا مؤقتا عن كون الشوارع المصرية في معظمها أماكن تهان فيها الكرامة. إن كنت ممن يحبون المشي والتسلق والتجوال المسترخي في المدينة فدبي ليست وجهتك في الصيف - ربما هي أفضل في الشتاء، ولكن لمعرفة ذلك لابد من زيارة أخرى. ماذا وجدت إذا في دبي الصيفية لأرفه عن نفسي في العشرة أيام تلك؟ لا شيء إلا مراكز التسوق الكبرى. قضيت جزءا كبيرا من إجازتي تلك في أكبر مراكز التسوق بدبي: دبي مول (وسوق البحار الملحق به)، أب تاون مردف، مول الإمارات، مول ابن بطوطة، فيستيفال سيتي، مركز الوافي، وفندق أتلانتيس في بالم جميرة، والذي ليس مركزا تجاريا بالطبع ولكنه معلم يستحق الزيارة. لم يتسن لي الوقت لزيارة باقي المراكز التجارية في دبي، وإن كنت أستغرب جدا كيف لكل هذه المراكز التجارية الضخمة أن تتواجد معا في مدينة واحدة يزيد تعداد سكانها قليلا عن 2 مليون، وفي اعتقادي وبناء على نظرة سريعة للتوزيع الديموجرافي لقاطني المدينة، لا تزيد نسبة القوة الشرائية المترفة عن 25% من السكان. إن تخميني هو أن هذه المراكز التجارية الفخمة هي المنفذ الوحيد للترفيه في الموسم الصيفي بدبي. لقد أُصبت بالملل في نهاية الرحلة جراء انحصار نشاطي كله في التجوال في المولات، على تعددها، ولذا أستطيع أن أتخيل أنني كنت لأصاب بالجنون لو أنني اضررت للذهاب إلى دبي مول مثلا كل يوم من الأيام العشرة - ناهيك عن شهور وسنوات طويلة للمقيمين هناك - وبخاصة إن لم أكن سأمتلك المال اللازم للشراء ثم الشراء ثم الشراء، إذ من غير العدل أن تجبر امرأة على الذهاب لمركز تسوق يوميا دون أن تمتلك المال لتنفقه. إن الرجال الذين تعتاد زوجاتهم على الذهاب إلى مراكز التسوق يوميا مساكين حقا.

And Access For All .. 

 


كان أول ما خطر ببالي كمعيار للمقارنة بين مراكز التسوق في دبي هو مقدار دعمها للاتصال بالإنترنت. يرى الكثيرون هذا السعي المجنون للبقاء متصلا بالإنترنت علامة على البؤس الاجتماعي وفقدان القدرة على الاستمتاع بالحياة خارج نطاق الفضاء الافتراضي، ولكني أحب شبكتي الاجتماعية الافتراضية وأحب أن أعرف أنه بإمكاني دوما إذا أردت الوصول إلى معلومة أن أصل إليها وبسرعة. إن أول مركز تسوق زرته بمفردي - دبي مول - يبلغ من الضخامة حدا لا تستطيع معه أن تزور طابقا واحدا بالكامل في يوم واحد، ولذا عليك أن تعرف بالضبط ما هي المحلات التي تريد زيارتها، ثم تذهب لأقرب نقطة معلومات "kiosk" - وهي رحلة في حد ذاتها - للاستعلام عن كيفية الوصول إلى المحل المبتغى. لقد كان من حسن طالعي أن كانت صديقتي العزيزة سميرة في زيارة لدبي وقتها، وقد استغرق وصولي لها في المكان الذي كانت تجلس فيه في دبي مول قرابة نصف ساعة، كنت تائهة فيها لا أعرف في أي طابق أنا وما هي طريقة تكويد الطوابق وأين مقدمة المول من خلفيته. توجب عليّ أن أزور دبي مول مرة ثانية لأفك شفرة كيفية التجول فيه. وكان من المصادفة أن جاءت هذه الزيارة لدبي بعد اقتراحي على مجموعة من الطلاب في كليتي التي أعمل بها أن نعمل على تطبيق تفاعلي للهواتف الذكية يمكن زائري المراكز التجارية الكبرى (والأبنية الضخمة عموماً) من الاستعلام الفوري عن أماكن معينة برغبون في الوصول إليها داخل تلك المراكز والأبنية ثم توفير تعليمات للتوجه إلى تلك الأماكن خطوة بخطوة، فوفرت لي الزيارة معاينة ميدانية وتقييما للتفاوت في الإمكانيات بين المراكز التجارية المختلفة في دبي وما هو الحد الأدنى من الخدمات المشتركة التي يتوجب أن تتوفر في المراكز التجارية لتحقق للزائرين أفضل تجربة مستخدم (quality of experience). بعد تحقق سريع، وجدت خدمات مشابهة لما تخيلته في تطبيق يتيحه دبي مول، ولكنه يتيحه فقط لأجهزة الآيفون، ولذا لم أتمكن من اختباره وتقييم جودة وشمولية خدماته. توجد أيضا تطبيقات مشابهة لمول الإمارات ومردف والوافي وفندق أتلانتس، ولكني أعتقد أنها تطبيقات مستجدة، إذ لم يكن ليفوتني أن أجربها أثناء زيارتي. يظل دبي مول أفضل حالا من المراكز الأخرى التي زرتها في دبي، إذ يوفر نقاط معلومات تفاعلية منتشرة في عدة أماكن بالمول يمكن للزائر من خلالها تحديد المكان الذي يرغب في الذهاب إليه وعرض خط سير لكيفية الوصول إليه (مع الأخذ في الاعتبار أنه على الزائر أن يتذكر خط السير هذا). لا توفر المراكز التجارية الأخرى التي زرتها في دبي نفس الخدمة، وإنما تكتفي بخريطة طوابق ثابتة (floorplan) كما في مول الإمارات، وأحيانا قد لا توجد حتى هذه الخريطة إلا في مدخل المول، كما رأيت في مركز الوافي وابن بطوطة. أضف إلى ذلك أنه بالرغم من أن المواقع الإلكترونية لمعظم هذه المراكز التجارية تحتوي على محدد لمواقع المحلات (store locator)، إلا أن عددا من المراكز التجارية (ابن بطوطة على سبيل المثال) لا توفر اتصالا بالإنترنت عن طريق شبكات الواي فاي اللاسلكية، وعليك كزئر إذا ما أردت استخدام الإنترنت أن تعتمد على خدمة الواي فاي التي توفرها بعض المحلات والمقاهي، أو على خدمة الجيل الثالث. إن غياب المعلومات المكانية وعدم التمكن من استخدام الانترنت لمعرفة موقع محلات بعينها كان السبب في أنني وأخي في زيارتين لمركز الوافي ظللنا نبحث عن المطعم العربي بسوق مرجان لأكثر من ربع ساعة.

أكثر ما استمتعت به

رغم ما قد يبدو من انطباع سلبي يعكسه حديثي، إلا أنني استمتعت في زيارتي بالعديد من الأماكن، أدرجها فيما يلي بدون ترتيب زماني، وإنما بحسب قوة الانطباع الذي تركته.

مول ابن بطوطة: رغم كونه مركزا تجاريا هادئا ولا يعج بالحركة كدبي مول، إلا أن مول ابن بطوطة يعد بالنسبة لي أفضل المراكز التجارية في دبي من الناحية الفنية واللوجستية. يقوم المول كله على دور واحد طويل للغاية ثيمته الأساسية هي رحلة ابن بطوطة من الأندلس إلى الصين. بمجرد أن تدخل، تجد نفسك وكأنك أمام بانوراما للعالم القديم. تبدأ الرحلة بساحة الأندلس، التي لم تستوقفني كثيرا، ثم تمشي حتى تصل إلى ساحة تونس التي تأخذ الأنفاس ببساطة مبانيها ذات اللونين الأزرق والأبيض وسقفها الذي يحاكي السماء التونسية. تصل بعد ذلك إلى ساحة مصر، والتي تتنوع ديكوراتها بين القاهرة الفرعونية والإسلامية، ثم تعبر منها إلى ساحة فارس، والتي قضيت فيها وقت استرخائي جالسة في مقهى أتأمل التحفة الفنية الجدارية ذات الألوان البراقة. إذا تجاوزت ساحة فارس ومشيت قليلا فستصل إلى ساحة الهند، والتي تحوي فيلا عظيما متحركا، ثم منها إلى ساحة الصين، والتي تغرقك في اللون الأحمر وتحوي سفينة ضخمة تحتل منتصف القاعة. إن المول هنا لا يركز على تعظيم الحركة الشرائية، فهي تقبع في الخلفية تاركة الصدارة لجمال الديكورات وتنوع النكهات التاريخية بين أقصى الشرق وأقصى الغرب (القديم) كي يقوم بمهمة جذب الزائرين والترفيه عنهم. أنت تذهب إلى مول ابن بطوطة ك "مزار" سياحي وليس فقط للشراء، ولكن حتى إن كان هدفك الشراء، فأنت لن تجد نفسك تدور كثيرا؛ هي ممرات مستقيمة في طابق واحد، تسير عبرها لتجد المحال على الجانبين وفي بهو كل ساحة. لن تجد دليلا للمحلات، ولن تتضايق كثيرا، لأنك لن تشعر بالملل أثناء بحثك عما تريده، وقد تنسى ما كنت تبحث عنه تماما.

ساحة فارس

ساحة فارس

ساحة الهند

ساعة الجزري بساحة فارس

ساحة مصر

ساحة الصين


ساحة مصر

ساحة تونس

نافورة برج خليفة: ولا تستطيع أن تمر بدبي دون أن تشاهد عروض نافورة برج خليفة التي تتكرر كل ليلة على أنغام الموسيقى. فلأترك النافورة تتحدث عن نفسها في هذا الفيديو الذي صورته بنفسي من أعلى نقطة في دبي مول - الشرفة الخارجية لمطعم فرايديز، والتي تعد أفضل نقطة يمكن مشاهدة عروض النافورة منها. احجز مكانك مقدما - حتى في الصيف - فالزوار على استعاد لتحمل الحر القائظ في سبيل الحصول على مقعد أمامي لهذه العروض. ولا يفوتني هنا أن أسجل انطباعي عن برج خليفة، والذي لم يعجبني ولم أجده ملهما بالمرة، بعكس برج العرب على شاطيء الجميرة، والذي بهرني منذ اللحظة التي وقعت عيناي عليه يلوح في الأفق قبل الغروب، مثيرا رهبة ظلت تزداد كلما اقتربنا منه بالسيارة، حتى رأيته عن قرب بكامل بهائه. هذا بناء يتحدث عن الإمارات وعن دبي، وكيف مزجت تقاليد الصيد العريقة مع أعلى مستويات الترف والحداثة، وكيف انتصر الترف في النهاية.



محل "المجموعة الأرستقراطية" في دبي مول: من المحلات التي استمتعت بزيارتها في دبي مول محل المجموعة الأرستقراطية "The Noble Collection"، والذي يحوي مجموعة رفيعة من الأنتيكات لأفلام كلاسيكية عدة، كملك الخواتم "Lord of The Rings" وهاري بوتر وأفاتار وال "Hobbits" ولعبة العروش "Game of Thrones" والأبطال الخارقين مثل باتمان وسوبرمان. استغرقني العثور على المحل نصف الساعة تقريبا، كونه يقع في الرابع وفي ممر متفرع من أحد الممرات الرئيسية، ولكن الأمر استحق كل دقيقة، فبالرغم من كون المحل لا يحتوي على كل التشكيلة الموجودة على الموقع الإلكتروني، إلا أن رؤية التحف الموجودة بالفعل كان متعة خالصة، نقلتني في بعض اللحظات إلى العالم الذي تحاكيه. لمحبي الهدايا الثمينة وغير التقليدية، ولمحبي مجموعات الأفلام الأسطورية تلك، أنصحهم ألا يفوتوا هذا المحل في زيارتهم التالية لدبي.

http://www.noblecollection.com/index.cfm?fa=products.product&id=NN2990&catid=17


http://www.noblecollection.com/index.cfm?fa=products.product&id=NN0071&catid=93


مركز الوافي و سوق مرجان: مركز الوافي باختصار "معمول بمزاج"، حيث يسيطر الهوس بكل ما هو فرعوني على تصاميمه، بدءا من تصميم المبنى نفسه على شكل هرم، ومرورا بالواجهات ذات التماثيل والنقوش الفرعونية، وحتى الأعمدة الداخلية الممتلئة أيضا بالنقوش الفرعونية. الهوس الفرعوني تنتقل عدواه من لاس فيجاس إلى دبي.

http://www.babylovestotravel.com/wp-content/uploads/2012/03/WAFI-Mall-Dubai.jpg

http://www.sophiesworld.net/wp-content/uploads/2010/04/IMG_5985-300x225.jpg

http://mithunonthe.net/wp-content/uploads/2010/06/wafi-mall-ceiling-egyptian-art.jpg

ولعل أفضل ما في مركز الوافي بعد ديكوراته هو سوق خان مرجان، والذي - بالمخالفة لباقي المركز - يزخر بالقاعات العربية ذات الديكورات الشرقية وسقوف الزجاج المعشق الملون. أحزنني أثناء التجوال بالسوق أنه لا يعج بالزائرين - كحال مركز الوافي عموما - رغم المنتجات العربية التي تمتليء بها أروقته، من عطور ودخون شرقية وحرائر وملابس تقليدية. هو مكان هاديء جدا، بعكس خان الخليلي في مصر مثلا، والذي يعج دوما بالحركة والصخب.




لا بد من مطعم: أما أكثر الأماكن ازدحاما في سوق خان مرجان فهو بلا جدال المطعم العربي، والذي يعد الوجهة الأساسية لمعظم العرب هناك. يمكنك هناك أن تأكل الكسكسي المغربي، أو الأطعمة المصرية والخليجية والشامية، ثم "تحبس" بعدها بالشاي المغربي الرائع والشيشة. 


أما إن كنت تبحث عن نكهة شرقية مختلفة، فهناك المطعم الصيني في مردف "Panda Chinese Restaurant"، وهو أول مكان أخذني إليه أخي بعد استقبالي في المطار لأتناول وجبتي الأولى في دبي. رشح لي أخي بشكل خاص صنف مقبلات من الجمبري الحار جدا يقدم في كأس أنيقة. كان اختيارا ممتازا، وكذلك كانت الوجبة الأساسية التي تناولناها. مكان ممتاز لمحبي المطبخ الصيني.

قلب المدينة، وناطحات سحاب نصف مظلمة

أخذني أخي آخر الأمر في جولة بالسيارة لنمر على أرقى مناطق المدينة - دبي مارينا - والتي تقبع فيها مقار الشركات العالمية وناطحات السحاب التي تشكل منظرا أخاذا لوسط المدينة وشاطئها، وتمثل المنطقة الحلم للسكن لكل من يحب أضواء المدينة وصخبها.

دبي مارينا
كانت جولة لطيفة، خاصة وأنني أحب جولات السيارة الليلية في قلب المدن، ولكن السيارة ليست الطريقة الوحيدة للتمتع بأجواء المارينا، حيث يمكن أيضا تأجير يخت أو الاستمتاع برحلة بحرية تعبر بك من المارينا إلى الأحياء التاريخية في المدينة (يمكن حجز واحدة هنا أو هنا، كما أن مواقع السفاري توفر أيضا حجوزات للرحلات البحرية). لم أتمكن من تجربة الرحلة البحرية لعدم توافر الرفقة، ولكني أجزم بأنها كانت ستكون تغييرا ممتعا عن التسكع في المولات. ولكن، وكما لفت نظري كثرة المولات على قلة روادها، لفت نظري أيضا أن كثيرا من العمائر التي رأيتها كان معظمها مظلما، بلا أنوار تدل على وجود حياة. سأستثني هنا مقار الشركات والمؤسسات الكبرى، بافتراض أنه لا عمل في المساء وبالتالي ليس من المنطقي أن توجد أنوار. ولكن ماذا بالنسبة لباقي العمائر؟ أعتقد أن النقطة التي أريد أن أصل إليها من ملاحظاتي هي أن الفخامة والترف والواجهة المتمدنة التي تحاكي مانهاتن هي أحد أهم عناصر رأس المال الذي يجعل من دبي محط أنظار العالم ووجهة الشركات العالمية والمشاهير، وأنه ربما كان التعمير الضخم على نطاق واسع مدعوما بتوجه حكومي. من الصعب أن أتخيل استثمارات عقارية في هذه المباني الضخمة يدعمها الطلب السوقي فقط دون أن يكون هناك دافع استعراضي في الخلفية. "نحن قد لا نصبح أبدا الأفق الأوروبي الأخاذ إذا ما نظرت إلينا من قمة برج خليفة، ولكننا حتما سنحاول". في معرض مناقشتي لهذه التدوينة مع الصديق والزميل العزيز عبد الحميد طه، لفت انتباهي للتشابه بين تجربة دبي وتجربة لاس فيجاس، حيث نُحتت كلاهما في قلب الصحراء. أنوار وصخب و "flamboyant grandeur" - لا أجد لهذا الوصف تعبيرا مناظرا في العربية. مدن صناعية، ولكن ليس بمفهوم الصناعة، وإنما بمفهوم الاجتراح من العدم. وفي معرض ذكر المتوازيات، هل حدثتكم عن مدينة فالكون سيتي للعجائب التي من المتوقع استكمال إنشائها في دبي بحلول العام 2020، والذي يصادف نفس العام الذي ستستضيف فيه دبي معرض إكسبو 2020؟ مدينة ستحوي نسخا مصغرة من عجائب الدنيا السبع - الأهرامات وبرج بيزا المائل وحدائق بابل المعلقة وغيرها، بالإضافة لبرج إيفل وتاج محل - بتكلفة مبدئية تقدر ب 36.5 مليار دولار. ستكون "لاس فيجاس" الشرق الأوسط، ولكنها تزايد عليها بأن تسحتضر للزائرين أزمنة لم يعاصروها، وتستثمر نهمهم لرؤية عجائب الدنيا التي لن يجدوها إلا تخيلات في كتب التاريخ.

دبي مارينا - برج كيان، أو البرج اللانهائي
ماكيت لفالكون سيتي تجدونه في مول الإمارات

زاوية أخرى لماكيت لفالكون سيتي

وبشكل عام

عدت من دبي بشعور عام بالحسرة، إذ أعقد المقارنة بين ما تفعله دبي وما تفعله (أو بالأحرى ما لا تفعله مصر) لجذب الزائرين والسياح. والحقيقة أنني أحترم الإنجاز الجبار لحكومة دبي في وضعها على خارطة المدن التي تجتذب اهتمام العالم، خاصة مع دخولهم مؤخرا موسوعة جينيس للأرقام القياسية كأكبر احتفالية للألعاب النارية بمناسبة العام الجديد. ولكن ما الذي تمتلكه دبي حقا إذا ما شئنا تقييمها سياحيا واستثنينا المنشآت والأبراج الخارقة في طولها والمعجزة في معمارها؟ بعض من التاريخ الذي يتوارى خلف صرعة التمدن والحداثة. ماذا تمتلك مصر؟ ماذا تمتلك القاهرة والاسكندرية والأقصر وأسوان وشرم الشيخ ومطروح والغردقة وغيرها من المدن المصرية؟ إن المقولة التي يقولها الكثير من المصريين بسخرية بأننا "حضارة 7000 سنة" ليست ساخرة البتة. نحن بالفعل نمتلك رأس مال فاحش من التاريخ لم يتأت لغيرنا، والأدهى أنه لا يتركز في مكان واحد، وإنما يتوزع بطول البلاد وعرضها. سبعة آلاف عام من التاريخ الفرعوني والقبطي واليوناني والروماني والإسلامي والخديوي وحتى الحديث تتناثر على أرضنا ولا يستثمرها القائمون على تنمية السياحة كما يجب، وإنما هم يتباهون بأننا نمتلك ثلث آثار العالم، ثم هم لا يدعمون أي توجه جاد للعناية بكل تلك الآثار وابتداع أساليب حديثة في تسويقها. القناعة العامة هي: الهرم قابع في مكانه، وسيأتي إليه الناس حتى لو كان محاطا بالقذارة. الآثار الإسلامية قابعة في القاهرة القديمة يتآكلها الإهمال، وسيأتي الناس لزيارتها حتى وهي متآكلة، وشارع المعز الذي أسموه المتحف المفتوح يمكن أن يغرق في مياه المجاري ولا تهتز شعرة في رأس المسئولين، باعتبار أن السواح سيأتون فقط لأن لدينا ثلث آثار العالم. فإذا شئنا أن نعرف بالتفصيل ما هي تلك الآثار فلن نجد حصرا متكاملا لها في أي مكان ولو حتى على الورق، حتى يتمكن أمثالي من بناء قاعدة بيانات إلكترونية تسهل بناء خدمات تقنية أرقى كجدولة الصيانة ومتابعة وتوصيف حالة المباني القديمة تاريخية الطابع غير المملوكة للدولة وتوفير خدمات للسواح عن أماكن وتاريخ تلك الآثار وتصميم رحلات ذات ثيمات غير تقليدية تختلف في مزاراتها عن الرحلات المعتادة التي نحفظها جميعا، ناهيك عن تصميم برامج قائمة على فكرة الواقع الافتراضي "augmented reality" تمكن السواح من دمج الأماكن الأثرية على أرض الواقع مع تخيل افتراضي لشكلها الحقيقي وقت إنشائها (تطبيق مدينة باريس مثالا)، أو القيام برحلات تاريخية افتراضية تسترجع أحداثا حقيقية من حقب مختلفة (كما تفعل مثلا لعبة صممت لتحاكي التاريخ والثقافة اليهودية بمدينة نيويورك أوائل القرن العشرين). ويمكن بناء هذه التطبيقات على الهواتف والكاميرات الذكية وحتى على نظارة جوجل لتكون متاحة للجميع وتوفر تجربة مستخدم متميزة تليق بعظمة التاريخ المصري. تتفرق المعلومات عن الآثار والمواقع التاريخية إذا بين القبائل (الهيئات والمؤسسات الحكومية)، وتغرق في تفاصيل الروتين والإجراءات العقيمة، وتنتشر بسبب ذلك سرقات الآثار، ونفقد نحن القدرة على بناء خدمات تكنولوجية تفيد القطاع وتساهم في تنمية رأس ماله. وما يسري على الآثار يسري بالطبع على أماكن السياحة الشاطئية والعلاجية وسياحة الواحات والسفاري. إن الهرم القابع مكانه دون خدمات مميزة مزار عظيم يخطف الأنفاس، ولكن دبي تبني أهراما هي الأخرى، تارة كمركز تجاري وتارة كنموذج مصغر ضمن أعاجيب الدنيا السبع. تبني هذه الأهرام وتصمم حولها خدمات وحركة شرائية تترجم لأرباح وسمعة تتردد في العالم.
أتعرف عزيزي القاريء ما هو أهم عامل جذب طبيعي تمتلكه مصر؟ إنه الجو المعتدل. هنا في مصر لديك التنوع اللازم لتتغلب على ظروف الطبيعة وتغير الفصول؛ في الشتاء هناك مزارات دافئة، وفي الصيف هناك شواطيء رائعة، ولكن كيف يتم تسويق كل ذلك للمصريين وللعالم؟ أنا أتابع ال CNN وال BBC بانتظام، وأشاهد عليهما دوما إعلانات عن بلدان أوروبا الشرقية وتركيا وجنوب شرق آسيا، ولا أشاهد إعلانات عن زيارة مصر. حتى في القنوات المصرية والعربية، تكون الإعلانات في أضيق الحدود وفي مواسم معينة، ولا أرى - على قلة متابعتي للقنوات العربية والمصرية - أي استعراض للأماكن السياحية المصرية في المسلسلات والبرامج التلفزيونية إلا فيما ندر، والنتيجة أن السياحة التركية مزدهرة نتيجة لتكثيف الإعلانات والمسلسلات التركية التي تستعرض المناظر الطبيعية والمزارات السياحية في تركيا، على حساب السياحة المصرية التي لا تدعمها حتى مسلسلاتها. هناك بالطبع مواقع إلكترونية تشكل نقاط بداية جيدة للراغبين في زيارة مصر، كموقع هيئة تنشيط السياحة و موقع رحلات مصر، كما وأن هناك عددا من المجتمعات التي كونها ناشطون في مجال السياحة على شبكات التواصل الاجتماعي بهدف تنمية السياحة، كحملة تنشيط السياحة الداخلية المصرية. ولكن هذا ليس كافيا في زمن يسعى فيه الجميع لمقاسمتك ميزاتك التنافسية بأن يحاكوها مع خدمات أفضل. ربما أتحسر لأن أملي هو أن نؤرشف كل تاريخنا ونعتني بكل تلك المزارات الرائعة التي نمتلكها بالفعل ونسوقها بشكل جيد ومبتكر وبما يتماشى مع الروح الحداثية والتقدم التكنولوجي للعصر. إن التسويق الجيد يمنح دبي موقعا متقدما بين مدن العالم رغم افتقارها للعمق التاريخي، في حين نمتلك نحن إرثا تاريخيا ضاربا في العمق ولا نحصره حتى بشكل ملائم، ولإننا نفتقد حصرا شاملا له، لا نعرف من أين نبدأ في صيانته وترميمه حتى نستطيع أن نصمم له نموذجا تسويقيا متفردا ينافس بقوة. سيتحدث البعض عن قلة الموارد وفقر الموازنة، ولكن السياحة مورد يمكنه أن يخدم نفسه؛ ما ترممه سيجلب زيارات سياحية إضافية تجلب بدورها المزيد من العملة الصعبة، والتي ستساعد في تمويل المزيد من أعمال الترميم. ثم إن العديد من الهيئات العالمية - كاليونيسكو والمعونة اليابانية - لا تتوانى عن المساهمة التمويلية في ترميم وتحديث المناطق التاريخية والمعالم الأثرية المصرية، كما وأن المشاريع التكنولوجية التي يمكنها أن تخدم هذا القطاع وتطور الخدمات التي يمكنه أن يقدمها للزائرين لن تعدم أن تجد تمويلا من الهيئات التي تدعم المشاريع التكنولوجية، كما فعلت مدينة فيلاديلفيا مثلا. هذا التمويل ليس بالضرورة ضخما كما قد يتخيل البعض، إذ أن العامل الأساسي فيه هو كفاءة المطورين وقدرتهم على تصميم خدمات مستجدة تلقى القبول والإقبال لدى المستخدمين. ربما يتحدث البعض عن منظومة فساد في التعامل مع أموال ترميم الآثار بالإضافة لانعدام الكفاءة في صرف تلك الأموال وتوجيهها لأجور عاملين بالقطاع السياحي لا يقومون بشيء مفيد باستثناء أنهم موظفون، ولكن للفساد وترهل الجهاز الإداري بالدولة قصة أخرى، خلاصتها في هذا السياق أن الإرث الحضاري وحده لا يكفي لجذب الزوار والاستثمارات، وأن الخدمات الكفء والحيادية التي تقدمها المنظومة لا تقل في أهميتها عن الخدمات التقنية والتسويق.
إن دبي أنشأت أسطورة من لا شيء؛ مدينة حداثية متكاملة من المعمار الخارق والنظام والنظافة والأمان واحترام المرور تنقل للزائر صورة حضارية مريحة تسهل عليه أن يتغاضى عن سوء أجوائها في الصيف، الذي هو في النهاية فصل واحد من فصول السنة الأربعة. ماذا ننقل نحن في مصر؟ إن رحلة قصيرة إلى القاهرة الإسلامية والأحياء الشعبية التاريخية في القاهرة القديمة وأبوابها كفيلة بأن تجيب. لا نظام، لا نظافة، لا احترام للمرور. هل لدينا حصر بالمباني الخديوية التي لا بد وأنها تحولت إلى آثار قيمة الآن؟ إن المتابع لمأساة قصر السكاكيني* بمنطقة الظاهر، أو ما حدث مؤخرا من هدم فيلا أجيون الأثرية بالإسكندرية** والتي من المفترض أنها مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، سيدرك كم نحن مترهلون في تعاملنا مع ثرواتنا الأثرية ومتهاونون لحد الإجرام في الحفاظ عليها. ربما أكون غير ملمة بالخلفيات التقنية لحقوق ملكية الورثة وكيفية التخالص معهم من قبل الدولة، ولا أعرف الكثير عن المعايير التي تستخدمها وزارة الآثار في تقييم المباني الأثرية وتمييزها عن المباني العادية، ولكن ما يثير حسرتي هو: وماذا بعد؟ فلنفترض أن الدولة حصرت الأماكن والأبنية الأثرية، ماذا تفعل بعد ذلك لتسويقها وتخليق عائد رأس مالي مقابل صيانة تلك الأماكن والعناية بها؟ لا أرى مجهودات تذكر في التسويق الذكي والاستغلال الأمثل لهذا المورد الذي لم نبذل شيئا لخلقه، اللهم إلا بعض الترميم والحصر الذي لن يتطلب تمويلا خارقا، ويمكن لبعض حلول تكنولوجية بسيطة أن تساعد في تسهيل المهمة، طالما وجدت الكوادر المتحمسة التي يهمها تطوير القطاع الأثري والسياحي***. ماذا فعلت دبي؟ خلقت موردا من العدم. أنشأت ناطحات سحاب ربما يكون نصفها فارغا، ولكنها مبهرة، وبنت جزرا في البحر وأنشأت عليها فيلات وفنادق، قد يكون نصفها شاغرا، ولكنها مبهرة، وأنشأت مراكز تجارية تحوي أشهر الماركات العالمية، قد لا تكون مزدحمة بالزبائن، ولكنها مبهرة، والأهم من ذلك كله أنها أنشأت نظاما محترما لراحة الزائرين والمقيمين على حد سواء. حتى لو أدرنا ظهرنا للتاريخ وركزنا على المنشآت المعاصرة كالمراكز التجارية، فإن دبي تتفوق علينا بمراحل، إذ هي تحول كل رحلة لك داخل المراكز تجارية إلى متعة خالصة، بالديكورات المتنوعة، والنافورات المطعمة بالتماثيل، والعوالم المائية (في دبي مول وفي فندق أتلانتس يمكنك مشاهدة أحواض الأسماك الضخمة)، وغيرها. اذهب إلى سيتي ستارز أو مول العرب على الجانب الآخر، وكل ما ستجده هو المحلات والأنوار، وربما شجرة كريسماس في نهاية العام. ربما نحن نتشابه مع دبي إلى حد بعيد في أننا لم نستغل التكنولوجيا والخدمات المتطورة وفغير التقليدية التي يمكن أن تقدمها، ولكني أرى أن دبي لن تلبث حتى تدرك هذا القصور وتبدأ موجة أخرى من دعم واستيراد الإبداعات التكنولوجية الخدمية، فور أن تحقق التشبع من الإبداعات المعمارية. نحن هنا نمتلك نقطة تفوق غير مستغلة، بتاريخ عريق ومعالم أثرية يحبها العالم بالفعل، وكل ما نحتاجه هو بنية خدمية تكنولوجية مبدعة، يدعمها بعض من النظام والتحديث للجهاز الإداري. من المحزن حقا أن يصدر تقرير "التنافسية في السياحة والسفر"**** من المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2013، والذي يرصد التغيرات التى تحدث فى اقتصاد الدول بما يؤهلها لتوفير بيئة سياحية مناسبة للسائح وللمستثمر، فنجد أن ترتيب مصر هو الخامس والثمانين من بين 140 دولة، في حين تحتل الإمارات العربية المتحدة المرتبة الثامنة والعشرين (يمكن الاطلاع على ملخص للتقرير باللغة العربية هنا). "لسنا الوحيدون، ولم نعد متميزون"، والبساط السحري ينسحب من تحت أرجلنا، لأن إيقاع العالم يتغير.
إن لم نكن نرغب في ابتداع صناعات، ولا في تطوير الزراعة، وإن كانت قناة السويس حُفرت بدماء المصريين لتظل معبرا مائيا لا يحتاج إلى إعادة اختراع، أفلا نرمم آثارنا الموجودة بالفعل، ونصمم قاعدة معلوماتية وتكنولوجية تخدم هذه الآثار وزائريها، ثم نجعل كل ذلك في سياق من القانون والمرور والنظام الذي يرحب بالزائرين ويحترمهم؟ لن نخترع الذرة، ولن ننفق الأموال الطائلة، نحن فقط سنصون ونحمي ونخلق خدمات جديدة لن تكلف الكثير. أليس من غير الإنصاف أن تجتذب النقوش والتماثيل الفرعونية المقلدة الزائرين في دبي وتساهم في تنشيط الحركة السياحية والتجارية فيها، بينما تقبع الأصول هنا على طول نهر النيل دون أن تنشط حولها حركة تجارية وشرائية وتثقيفية متجددة؟ إن دبي قد نجحت في اجتراح معجزة، وبنت كيانها كأسطورة من الأسمنت والرفاهية، أما نحن، فقد تسلمنا المعجزة من أجيال متعاقبة، وحفظنا الأسطورة المسجلة على جدران يمتد عمرها لآلاف السنين، فهل يمكننا أن نضيف للأسطورة؟ أن نحييها ونجددها فقط؟

معبد دندرة - الأقصر


* قصر السكاكيني من أقدم قصور مصر، وقد تم بناؤه سنة 1897 م على يد حبيب باشا السكاكيني. يقع القصر في ميدان السكاكيني في وسط مدينة القاهرة، وتحديدا في منطقة الظاهر المزدحمة بالسكان، ويكاد يختفي القصر وسط غابة من الابنية المتهالكة التي لا تملك أي حس جمالي، والقصر مصنف ضمن آثار القاهرة، بل وتتخذه منطقة آثار وسط القاهرة مقرا إداريا لهم، ومع ذلك يعاني القصر من الإهمال الشديد سواء من خارجه أو داخله. المصدر: ويكيبيديا.
** فيلا جوستاف أجيون هي فيلا من تصميم المعماري الفرنسي أوجوست بيريه (1874 - 1954)، أحد أهم وأشهر معماري العالم، ورائد استخدام الخرسانة المسلحة في إنشاء المباني. بسبب القيمة العالية لبيريه أدرجت اليونسكو أبنية قام بتصميمها في قائمة التراث العالمي، لتصبح تراثا للإنسانية جمعاء لا لشعب من الشعوب، ويزورها اليوم الآلاف في كل عام. الفيلا تقع في حي وابور المياه الذي بدأ العمران به في القرن التاسع عشر. المصدر: ويكيمابيا
*** يبدو أن كشوف الحصر الوحيدة التي تسجلها وزارة الدولة لشئون الآثار هي كشوف حصر خريجي الآثار.
**** يمكن مطالعة المعايير التفصيلية التي استخدمت في تحديد مؤشر التنافسية هنا.

Template by:
Free Blog Templates